اتحاد الآفاق أو اختلافها في بداية الأشهر القمرية - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٧٤ - ملحق في حكم الأخذ بالإطلاق إذا كان المتكلم في مقام البيان من جهة ولم يحرز كونه في مقام البيان من جهة أخرى
النظر عن هذا الأصل العقلائي، وعليه فتكون الجهة التي نشك في كون المتكلم في مقام البيان من تلك الجهة مع إحراز كونه في مقام بيان حكم آخر من موارد الأصل العقلائي، فيثبت بذلك كونه في مقام البيان من كلتا الجهتين فيصح التمسك بالإطلاق بلحاظ كل منهما.
قلت: بناء العقلاء وإن استقر على ذلك، إلا أنه يختص بما إذا احتمل كون المتكلم في مقام الإهمال والإجمال وعدم كونه في مقام البيان أصلاً، كما إذا دار الأمر بين كون المولى في مقام البيان أو كونه في مقام التشريع فقط، وأما إذا كان المولى في مقام بيان حكم آخر فليس من العقلاء بناء على كونه في مقام البيان في غير ما ثبت كونه في مقام بيان، لأن كونه في مقام بيان حكم ما يكفي في كونه فائدة لكلامه ومخرجاً له عن الإهمال، فيحتاج إثبات أنه في مقام بيان حكم آخر غير هذا الحكم المعلوم كونه في مقام بيانه إلى دليل مفقود في المقام على الفرض).
ونظير هذا ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) في بعض كلماته [١] قائلاً: (لو
[١] دراسات في علم الأصول ج:٢ ص:٣٣٧. وتجدر الإشارة إلى أنه قد حكي عنه (قدس سره) في (مباني الاستنباط ج:١ ص:٣٢٦) ما نصه: (أن الأصل في كل كلام أن يكون في مقام البيان من جميع الجهات لاستقرار طريقة العقلاء على حمل الكلام على ذلك ما لم تقم قرينة على عدم كونه في مقام البيان من جهة أو أكثر، كما في ما دل على حلية ما يصيده الكلب المعلم فإن القرينة فيه قائمة على أنه وارد في مقام بيان الحلية الذاتية دون نفي النجاسة العرضية بملاقاة الكلب مع رطوبة مسرية).
ولكن هذا الكلام يشك في صدوره من السيد الأستاذ (قدس سره) بهذه الصورة، ولا سيما ما ورد في ذيله، فإن عدم كون قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ) في مقام نفي النجاسة العرضية ليس من أجل قيام القرينة على ذلك، بل لعدم ظهوره في حدّ ذاته إلا في كونه مسوقاً لبيان تذكية ما يصيده الكلب المعلم لا غير.
هذا وورد في (محاضرات في أصول الفقه ج:٥ ص:٣٦٦ـ٣٦٧) ما نصه: (إذا كان المتكلم في مقام البيان من جهة ولم يكن في مقام البيان من جهة أخرى لا مانع من التمسك بإطلاق كلامه من الجهة التي كان في مقام البيان من تلك الجهة دون الجهة الأخرى، وهذا في الآيات والروايات كثير ..
أما في الآيات فكقوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ) فإنه إذا شك في اعتبار الإمساك من الحلقوم في تذكيته وعدم اعتباره لا مانع من التمسك بإطلاق الآية الكريمة من هذه الناحية والحكم بعدم اعتبار الإمساك من الحلقوم. وأما إذا شك في طهارة محل الإمساك وعدمها فلا يمكن التمسك بإطلاق الآية من هذه الناحية، لأن إطلاقها غير ناظر إليها أصلاً فلا تكون الآية في مقام البيان من هذه الجهة، فلا محالة عندئذٍ يحكم بنجاسته.
وأما في الروايات فمنها قوله ٧ : «لا بأس بالصلاة في دم إذا كان أقل من درهم» ، فإنه في مقام البيان من جهة أن هذا المقدار من الدم غير مانع من ناحية النجاسة، حيث إن المتفاهم العرفي كون هذا استثناءً من مانعية الدم من هذه الناحية، ولا يكون في مقام البيان من جهة أخرى ـ وهي كونه من دم المأكول أو غير المأكول ـ وعليه فإذا شك في صحة الصلاة فيه وعدم صحتها لم يجز التمسك بإطلاق الرواية، لعدم كون إطلاقها ناظراً إلى هذه الناحية.
فالنتيجة: أنه لا إشكال في ذلك وأن المتكلم من أي جهة كان في مقام البيان جاز التمسك بإطلاق كلامه من هذه الجهة وإن لم يكن في مقام البيان من الجهات الأخرى).
والملاحظ أنه لم يرد فيه التعرض لحكم صورة الشك في كون المتكلم في مقام البيان من جهة مع إحراز كونه في مقام البيان من جهة أخرى، وإنما ذكر فيه أن كون المتكلم في مقام البيان من جهة دون جهة أخرى لا يمنع من الأخذ بالإطلاق من الجهة الأولى. وهذا لا يخلو من غرابة، فإن جواز التمسك بالإطلاق من الجهة التي يحرز كون المتكلم في مقام البيان بلحاظها وإن لم يكن في مقام البيان بلحاظ جهة أخرى من الواضحات الغنية عن الذكر، وما ينبغي التعرض له هو التمسك بالإطلاق من الجهة التي يشك في كون المتكلم في مقام بيانها مع إحراز كونه في مقام البيان من جهة أخرى، فيستغرب عدم تعرض السيد الأستاذ (قدس سره) لهذا وتعرضه لذلك، وأظن ـ والله العالم ـ وقوع اشتباه في هذا التقرير في تحرير ما أفاده (طاب ثراه)، ولا سيما مع اشتمال سائر تقريراته ـ من مختلف الدورات الأصولية ـ على التعرض لما أشير إليه.