اتحاد الآفاق أو اختلافها في بداية الأشهر القمرية - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٧٥ - الوجه الثاني سكوت النصوص عما يدل على الاختلاف في بداية الأشهر
فالإنصاف أن دلالة الرواية لا بأس بها، ولكن يمكن أن يقال: إنه مما يصعب التصديق بصحتها، لأن الذي يظهر بملاحظة الخرائط الفلكية التي تبيّن أوضاع الأهلة في المدة التي كان معاوية متسلطاً فيها على الشام أنه لم يكن هلال رمضان قابلاً فيه للرؤية في ليلة الجمعة إلا وهو قابل للرؤية بصورة أوضح في المدينة المنورة في الليلة نفسها، فلا محل لقول ابن عباس: (ولكنا رأيناه ليلة السبت) إلا إذا كانت ليلة الجمعة مغيمة في المدينة ولم تتم الإشارة إلى ذلك في الخبر، فليتأمل.
هذا ومرّ في بداية البحث عن هذه المسألة ـ عند نقل أقوال العامة ـ أنه نسب إلى عكرمة مولى ابن عباس وإلى القاسم بن محمد بن أبي بكر وسالم بن عبد الله بن عمر وهما من الفقهاء السبعة في المدينة المنورة ـ والجميع ماتوا في أوائل المائة الثانية ـ أنهم قالوا: لا تلزم الرؤية في بلد غير أهل بلد الرؤية. ومرّ أيضاً اختلاف النقل في ذلك عن أبي حنيفة ومالك، وكل ذلك يشير إلى أن هذه المسألة كانت مثارة في الأوساط العلمية في عصر الصادقين ٨ ولكن لم يعلم أن موردها كان هو الأعم من الاعتداد بالرؤية في البلاد البعيدة، وعلى تقدير كون موردها ذلك فإنه لم يتأكد كونها مطروحة بصورة موسعة واحتدام الجدل بشأنها بين فقهاء ذلك العصر حتى يقتضي تمثّل ذلك في بعض الروايات الواصلة إلينا من خلال طرح السؤال عنها على الصادق ٧ ـ مثلاً ـ بل لعل أقصى ما كان في ذلك العصر هو ذهاب فقهائهم ـ حتى أبي حنيفة ومالك ـ إلى أن رؤية كل بلد تلزم أهل ذلك البلد، ثم في عصر متأخر وقع الاختلاف والجدل في ذلك وبرز آخرون كتلميذي أبي حنيفة أبي يوسف ومحمد بن الحسن وكالشافعي وابن حنبل قالوا بكفاية الرؤية في غير بلد المكلف كما مرّ النقل عنهم، ثم تعاظم الاختلاف بين أتباعهم وبرز التفصيل بين البلاد