اتحاد الآفاق أو اختلافها في بداية الأشهر القمرية - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٦ - الرواية الخامسة صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله
١ ـ إن كون الإمام ٧ في مقام الإفتاء دون التعليم يعني كونه في مقام بيان الوظيفة العملية للسائل الذي رجع إليه لحلّ مشكلته القائمة بالفعل، كما لو كان السؤال في معتبرة إسـحاق بن عمار بهذه الصـورة: (غمّ علينا الهلال في تسع وعشرين من شعبان الماضي فلم نصمه) فأجابه الإمام ٧ بقوله: (لا تقضه إلا إذا جاءت البينة من مصر آخر برؤية الهلال في تلك الليلة)، ولكن السؤال في المعتبرة وفي غيرها من الروايات ليس على النحو المذكور أو ما يشبهه، بل السؤال فيها جميعاً عن واقعة كلية ولا سيما بملاحظة استخدام الفعل المضارع (يغم) فيها.
مع أن ما يميز الإفتاء عن التعليم هو أنه لا يصح في الإفتاء إطلاق الحكم الترخيصي والاعتماد في تقييده على القرينة المنفصلة، وهذا غير ما نحن فيه، فإنه من قبيل إطلاق الحكم الإلزامي وهو وجوب القضاء عند قيام البينة على رؤية الهلال في بلد آخر، ولا إشكال في مثله في الاعتماد على القرينة المنفصلة في التقييد حتى في الفتاوى، لأنه لا يؤدي إلى إيقاع المكلف في خلاف وظيفته الإلزامية.
٢ ـ المفروض في المقام عدم انعقاد الإطلاق اللفظي لقوله: (بلد آخر) من حيث الشمول للبلد المختلف أفقاً عن بلد المكلف، لعدم كون الإمام ٧ في مقام البيان من هذه الجهة، وفي مثله يتعين على المستفتي الأخذ بالقدر المتيقن وهو البلد القريب المتفق أفقاً مع بلده أو سؤال الإمام ٧ عن حكم غيره، وأما دعوى انعقاد الإطلاق المقامي عندئذٍ لكي يشمل الحكم حتى البلاد غير المتفقة مع بلده في الأفق لكونها محل ابتلائه فغريبة جداً، فإنه بعد فرض عدم كون الإمام ٧ في مقام البيان كيف ينعقد الإطلاق المذكور؟!
وبعبارة أخرى: قد نصّوا في الأصول على لزوم إحراز كون المتكلم في مقام البيان في كلا الإطلاقين اللفظي والمقامي، أقصى الأمر أنه في الأول يمكن إحراز ذلك بالأصل العقلائي وأما في الثاني فلا بد لإحرازه من قيام قرينة خاصة، وأين هي في المقام؟
٣ ـ إن ما ينفى اعتباره بالإطلاق المقامي هو خصوص ما لو كان له دخلٌ في غرض المولى لكان من المناسب جداً التعرض له، لكون السكوت عن بيانه مؤدياً إلى الإخلال بغرضه ولو في بعض الموارد، وهذا إنما يكون في ما يقع مورداً لابتلاء المكلف عادة، ولكن الابتلاء بمجيء البينة على صيام أهل بلد مختلف أفقاً عن بلد المكلف ـ لرؤية الهلال فيه في ليلة سابقة ـ لم يكن يحصل في الأزمنة السابقة إلا قليلاً، كمجيء البينة من خراسان أو الشام أو مصر إلى الحجاز أو العراق، وأما الكوفة وبغداد والبصرة ونحوها فمن النادر اختلاف أفقها كما يعلم بالتتبع.
وبما تقدم يظهر الجواب عما ذكر من أن مقتضى الالتزام بأن وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب في أجوبة الاستفتاءات يمنع من انعقاد الإطلاق لها هو الأخذ في المقام بالقدر المتيقن مما يراد بالبلد الآخر في الروايات وهو بلاد العالم القديم أو البلاد الاسلامية في عصر الأئمة : ، للمنع من كون روايات المقام من قبيل ما ذكر، مضافاً إلى خروج كثير من العالم القديم عن القدر المتيقن في مقام التخاطب في ذلك العصر لعدم التواصل بينها وبين بلاد المسلمين أصلاً، بل الظاهر أن بعض بلاد المسلمين النائية جداً عن البلدان الرئيسة كان الحال فيها كذلك أي من حيث عدم التواصل بين بعضها وبين البعض الآخر، اللهم إلا أن يلحق بغيرها من جهة القطع بعدم الفرق، فليتأمل.