اتحاد الآفاق أو اختلافها في بداية الأشهر القمرية - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٤٧ - الأمر الثالث
بإمكانية رؤية الهلال في أي مكان آخر ولو كان مختلفاً عنه في الأفق لم يكن يبقى مورد يتيقن فيه بأيام الشهور القمرية في الأزمنة السابقة، فإن أقصى ما كان هناك هو أن يرى المكلف الهلال في الكوفة أو المدينة المنورة ـ مثلاً ـ أول ما يراه ضعيفاً جداً بحيث يتيقن بأنه هلال ابن ليلة واحدة في بلده، ولكن ما كان له نفي احتمال إمكانية رؤيته في الليلة السابقة في مكان ما في العالم، فلم يكن يبقى مورد متيقن للأيام التي لها أعمال خاصة في الشرع المقدس حتى يأتي بها في تلك الأيام.
وأما استصحاب عدم دخول الشهر الجديد فهو لا يثبت أن غداً أول الشهر، وإنما أقصى ما يثبته هو عدم دخول الشهر الجديد إلى الآن، ولذلك لا يمكن ترتيب الآثار الشرعية المختصة بعناوين الأيام كاليوم الأول واليوم العاشر وأيام البيض ونحو ذلك استناداً إلى الاستصحاب المذكور. مع أن من المؤكد أن سيرة المتشرعة كانت على إجراء أحكام الأيام وفق ما تقتضيه الرؤية في بلدانهم من دون الاعتناء باحتمال الرؤية في أماكن أخرى.
أقول: يمكن أن يقال: إن اليوم الأول من الشهر هو اليوم الذي ظهر الهلال في ليلته ولم يظهر في الليلة السابقة عليه، فالموضوع مركب من جزئين والأول محرز بالوجدان والثاني يمكن إحرازه بالأصل الموضوعي ـ أي استصحاب عدم ظهور الهلال في الليلة السابقة في أي مكان في العالم ـ فيلتئم الموضوع المركب ويترتب الأثر.
ولكن هذا البيان غير تام، فإن أول الشهر ـ مثلاً ـ عنوان انتزاعي، وإجراء الاستصحاب في منشأ انتزاعه لغرض إثباته يعدّ من الأصل المثبت الذي لا يعول عليه.