صلح الحسن - الشيخ راضي آل ياسين - الصفحة ١٧٣ - موقف الحيرة
و ان هذه الفتنة هي الفتنة التي عناها فيما لوّح إليه في أحاديثه الشريفة، و لا فتنة أعظم من فتنة تشق المسلمين انشقاقهم هذا، فتلهيهم عما يراد بهم من أعدائهم الواقفين لهم بالمرصاد [١] ، و عما يراد منهم من اعمار و تنظيم و جهاد.
و اما الحكم على البغاة بحصانة الاسلام، فهو ما يشير إليه موقف أمير المؤمنين عليه السلام منهم، حين منع سبي نسائهم و ذراريهم، و كفى بسيرة أمير المؤمنين أسوة صالحة و قدوة في الدين راجحة.
*** و اما السؤال عن الكفاية لقمع هذه الفتنة بالقوة، و هو الحلم اللذيذ الذي هتف به الشيعة المتحمسون بالكوفة ابان النهضة للجهاد.
فالجواب عليه، يتوقف على دراسة الموقف من ناحيتيه المعنوية و العددية معا، و ذلك باستعراض الامكانيات الحاضرة على حقيقتها.
و المعنويات في الجيوش هي رمز القوة التي تدخر لربح الوقائع، و هي أهم بكثير من تصاعد الاعداد التي لا تعزّزها الروح العسكرية الرفيعة.
و كان للحسن في مسكن بقية من جيش، لا تجد المعنويات سبيلها إليه الاّ بالمعجزة، بعد النكبة التي أصيب بها هذا المعسكر بخيانة قائده و فرار ثمانية آلاف من أفراده.
و في المدائن، مجموعة من أشباح، كشفت الارجافات العدوة المربكة عن نواياها، فاذا بها لا تفتأ تتلقّف الفتن، و تهمّ بالعظائم و لا ترجى لميدان حرب، و هذه هي الناحية المعنوية على واقعها.
و اما النسبة العددية فقد كان أكبر عدد بلغه جيش الحسن عليه السلام فيما زحف به الى لقاء معاوية عشرين الفا أو يزيدها قليلا، و كان جيش معاوية الذي عسكر به على حدود العراق ستين الفا!.
فللحسن-يومئذ-ثلث أعداد جيش معاوية.
[١] اشارة الى محاولات البيزنطيين عند ثغور الشام سنة ٤٠ هـ.