صلح الحسن - الشيخ راضي آل ياسين - الصفحة ١٥٨ - بداية النهاية
نعم هو صاحب موهبة-كما قلنا-و لكن في حيز محدود، و صاحب سخاء و لكن من نوع فريد، و صاحب هواية خاصة لها سلطانها القاهر على نفسه.
فأما موهبته ففي اغتنام الفرص من مآزق الناس، و اما هوايته ففي الغلبة و السلطان، و اما سخاؤه فبما لا يسخو به من يحسب لآخرته حسابها.
و المرجح أن معاوية كان يعرف من نفسه قصورها عن العسكري الذي كان يجب أن يكونه و هو يناضل أشجع عسكرية في الاسلام، فكان يود دائما ان يلتوي بحروبه مع العراق، الى الطريقة الخاضعة لموهبته، و يفر -ما وسعه الفرار-من حرب السلاح الى حرب الفتن.
و كانت التجارب التي صارعها معاوية في حروب صفين، هي الاخرى التي املت عليه القناعة القصوى بهذا الاختيار.
و لم يفلت معاوية من الانهيار المحقق الذي حاق به يوم ذاك، و الذي نشط به الى محاولة الفرار بنفسه على ظهر جواد، الاّ حين أخذ بالرأى البكر الذي أملاه عليه مستشاره الكبير «ابن العاص» !ثم كانت الفتنة بنطاقها الواسع الذي خلق للمسلمين انواع المشاكل و النكبات فيما بعد.
فالفتنة في نظر معاوية خير مركب للنجاح، و هي بتجارب معاوية امضى أثرا من السلاح، فكيف لا يجنح إليها كلما حاق به مأزق من هذه المآزق التي كان يجرها على نفسه في مختلف المناسبات؟.
و وفق معاوية في ميدان «الفتنة» الى تعبئة جهاز من النوع الثقيل،
ق-البراز فأحولت عيناك، و أزبد شدقاك، و تنشر منخراك، و عرق جبينك، و بدا من اسفلك ما أكره ذكره!!فقال معاوية: حسبك حيث بلغت، لم نرد كل هذا.. » .
و روى هذا الحديث المسعودى (هامش ابن الاثير ج ٦: ص ٩١) و بدأه بقول عمرو بن العاص لمعاوية: «لو لا مصر و ولايتها لركبت النجاة منها، فانى أعلم ان علي بن ابي طالب على الحق و انا على ضده، فقال معاوية:
مصر و اللّه أعمتك، و لو لا مصر لالفيتك بصيرا، ثم ضحك معاوية ضحكا ذهب به كل مذهب. قال: هم تضحك يا امير المؤمنين أضحك اللّه سنك؟ قال: أضحك من حضور ذهنك يوم بارزت عليا» .