صلح الحسن - الشيخ راضي آل ياسين - الصفحة ١٥٢ - بداية النهاية
الاجناس، و تلتحم بمصالحها الثقافية و التجارية مع اعظم الاقطار المعروفة في ذلك الزمان. و الكوفة هي كل شيء في سياسة الحسن عليه السلام، أو هي اعظم ذخيرة كان يدخرها للايام السود، و الوقائع الحمر، و البلايا الملونة التي شاءت الليالي أن تجمعها عليه في وقته الحاضر-فذكر، و هو يستعرض في نفسه سوابقه مع الكوفة أو سوابق الكوفة معه، انثيال الناس -هناك-على بيعته و الاخذ بيده، و اجماعهم على قبول شرطه يوم رضي أن يمد يده لبيعتهم «على أن تكون بالسمع و الطاعة، و أن يحاربوا من حارب و يسالموا من سالم» .
ثم نظر الى حوادث «مسكن» و زلزلة الاكثر من جيوشه «الكوفيين» هناك، و نفورهم من القتال و ركونهم الى الفرار، و انخداعهم بالمطامع، و جهرهم بالعصيان، و نقضهم المواثيق التي عاهدوا اللّه عليها.
فساءه، ان تبلغ السفالة البشرية، و ميوعة الدين، و صفاقة الاخلاق، في عصبة تدعى الاسلام، و تتقلد القرآن، و تؤمن-على ظاهرها-بالنبي فتصلي عليه و على إله، في صلواتها الخمس كل يوم خمس مرات-مبلغها من هؤلاء الذين خانوا النبي في آله، و خانوا اللّه في مواثيقه، و باءوا بمخزاة التاريخ على غير كلفة و لا اكتراث.
و ظنوا ان معاوية مانعهم من الموت و الفقر، و لا و اللّه ما من الموت مفر، و لا رشوات معاوية بأجدى لهم من الرزق الحلال الذي قدّر لهم في هذه الحياة، و سيصعد معاوية منبره في الكوفة، معلنا على رءوسهم حنثه بأيمانه و عهوده و مواعيده، و جاعلا «كل ذلك تحت قدميه [١] » ، و ما هي الا شنشنته التي كان يمليها عليه طموحه الى الغلبة بكل سبب منذ طمع بالطفرة الى التاج.
[١] يراجع عن هذا التصريح اكثر المصادر التاريخية، و ذكره ابن قتيبة في «تاريخ الخلفاء الراشدين و دولة بني أميّة» (ص ١٥١-مطبعة مصطفى محمد-بمصر) .