إرشاد القلوب إلى الصواب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ٣٥ - الباب الخامس في التخويف و الترهيب
الزَّاهِدِينَ فِيهَا الصَّارِفِينَ عَنْهَا فَإِنَّهَا وَ اللَّهِ عَنْ قَلِيلٍ تُزِيلُ الثَّاوِيَ السَّاكِنَ وَ تَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الْآمِنَ لَا يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ وَ لَا يُدْرَى مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فَيُنْتَظَرَ سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ وَ جَلَدُ الرِّجَالِ مِنْهَا إِلَى الضَّعْفِ وَ الْوَهْنِ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ وَ كَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ [وَ كَأَنَ] مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الْآخِرَةِ عَمَّا قَلِيلٍ لَمْ يَزَلْ وَ كُلُّ مَعْدُودٍ مُنْتَقَصٌ وَ كُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ وَ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ دَانٍ وَ الْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ وَ كَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ لَا يَعْرِفَ قَدْرَهُ وَ إِنَّ أَبْغَضَ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ لَعَبْدٌ وَكَلَ اللَّهُ بِنَفْسِهِ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ سَائِرٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ وَ إِلَى حَرْثِ الْآخِرَةِ كَسِلَ كَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَ مَا وَنَى عَنْهُ سَاقِطٌ عَنْهُ وَ ذَلِكَ زَمَانٌ لَا يَسْلَمُ فِيهِ إِلَّا كُلُّ مُؤْمِنٍ نؤمة [نُوَمَةٍ] إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَفْ وَ إِنْ غَابَ لَمْ يُفْتَقَدْ أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الْهُدَى وَ أَعْلَامُ السَّرَى لَيْسُوا بِالْمَسَايِيحِ وَ لَا الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ أُولَئِكَ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ وَ يَكْشِفُ عَنْهُمْ ضُرَّ نِقْمَتِهِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُكْفَأُ فِيهِ الْإِسْلَامُ كَمَا يُكْفَأُ الْإِنَاءُ بِمَا فِيهِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يُحَمَّ عَلَيْكُمْ وَ لَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ.
و قوله ع كل مؤمن نؤمة [نومة] يريد الخامل الذكر القليل الشر و المصابيح جمع مصباح و المساييح جمع مسياح و هو الذي يسيح بالفساد و النمائم و المذاييع جمع مذياع و هو الذي سمع لغيره بفاحشة أذاعها و أعلن بها و البذر هو الكثير السفه و اللغو بالهذيان
وَ قَالَ ع فِي خُطْبَةٍ أُخْرَى تَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى أَلَا وَ إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ وَ أَذِنَتْ بِالزَّوَالِ وَ تَنَكَّرَ بِانْقِضَاءِ مَعْرُوفِهَا وَ أَدْبَرَتْ حَذَّاءَ فَهِيَ تَحْفِزُ بِالْفَنَاءِ سُكَّانَهَا وَ تَحْدُو بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا وَ قَدْ أَمَرَّ مِنْهَا مَا كَانَ حُلْواً وَ كَدِرَ مِنْهَا مَا كَانَ صَفْواً فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الْإِدَاوَةِ أَوْ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ لَوْ لم يمررها يمرؤها [تَمَزَّزَهَا] الصَّدْيَانُ لَمْ ينفع [تَنْقَعْ غُلَّتَهُ] فَأَزْمِعُوا عِبَادَ اللَّهِ الرَّحِيلَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ الْمُقَدَّرِ عَلَى أَهْلِهَا الزَّوَالُ وَ لَا يَغُرَّنَّكُمْ فِيهَا الْأَجَلُ وَ لَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَمَلُ فَوَ اللَّهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ الْوَلَهِ الْعَجْلَانِ وَ دَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ الْحَمَامِ وَ جَأَرْتُمْ جُؤَارَ مُتَبَتِّلِي الرُّهْبَانِ-