عصر الإمام السجاد، سياسياً و إجتماعياً - اليوسفي الغروي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٥ - يزيد، وبنو زياد
وكان من أبناء زفر الباقين: الهذيل، أتى أباه وقال له: هذا رجل حسن الهيئة يستأذن عليك، وسألناه: من هو؟ قال: المسيّب بن نجبة. فقال زفر: أي بنيّ! أما تدري من هذا؟ هذا من إذا عُدّ عشرة من أشراف مضر فهو أحدهم، بل هو فارس مضر الحمراء كلّها! وهو بعد رجل ناسك له دين، إئذن له.
فدخل المسيّب إليه فأجلسه إلى جانبه ولاطفه في مساءلة أحواله، فقال المسيّب: ما اعترينا إلى شيء إلا أن تعيننا على هؤلاء القوم الظلمة المحلّين، فأخرج لنا سوقاً، فإنّا لا نقيم بساحتكم إلا يوماً أو بعض يوم. فدعا زفر ابنه فأمره
أن يضع لهم سوقاً، وأمر للمسيّب بفرس وألف درهم! فقال المسيّب: أما الفرس فإنّي أقبله لعلّي احتاج إليه إن ضلع فرسي أو غمز تحتي، وأمّا المال فواللّه ما له خرجنا ولا إياه طلبنا!
وأمر زفر ابنه أن يسأل عن وجوه أهل العسكر، فسمّى له بعد سليمان والمسيّب: عبد اللّه بن سعد بن نفيل، وعبد اللّه بن وال، ورفاعة بن شدّاد، وسمّى له أمراء أرباع الكوفة، فبعث إلى المسيّب بعشرين جزورا وإلى سليمان مثل ذلك وإلى كلّ واحد من الرؤساء الثلاثة بعشر جزائر وطعام وعلف كثير، وأخرج للعسكر عيراً عظيمة وشعيراً كثيراً مع غلمانه، وقال غلمانه: هذه عير فاجتزروا منها ما أحببتم، وهذا شعير فاحتملوا منه ما أردتم، وهذا دقيق فتزوّدوا منه ما أطقتم!
واخرجت لهم الأسواق والأعلاف والطعام، فتسوّقوا، ولكنّهم لم يحتاجوا إلى شراء شيء من هذه الأسواق التي وضعت لهم، وقد كفوهم اللحم والدقيق والشعير، إلا أن يشتري الرجل سوطاً أوثوباً، وظلّ القوم مخصبين ذلك اليوم لم يحتاجوا إلى شيء.
وفي غداة غد لمّا أرادوا الرحيل خرج إليهم زفر ليشايعهم فساير سليمان وأخبره خبر خروج جيش الشام من الرّقة إليهم وقال: وأيم اللّه لَقَلّ ما رأيت رجالًا هم أحسن هيئة ولا عدّة، ولا أحرى بكلّ خير من الرجال معك! ولكنّه قد بلغني أنّه قد أقبلت إليكم عدّة لا تحصى كثرة!