عصر الإمام السجاد، سياسياً و إجتماعياً - اليوسفي الغروي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٣ - يزيد، وبنو زياد
الأعراب وأهل القرى فتقرّبوا إليهم به فيُقتل صبرا! أنشدك اللّه ألا تفعل ذلك، وهذه الشمس قد طفلت للمغيب، وهذا الليل قد غشينا، ونحن الآن ممتنعون فنقاتلهم على خيولنا هذه، فإذا غسق الليل ففي أوّله نركب خيولنا فنرمي بها حتّى نصبح، فنسير ونحن على مهّلٍ، العشرة والعشرون معاً، ويحمل الرجل منا جريحه وينتظر صاحبه، ويعرف الناس الوجه الذي يأخذون فيتبع فيه بعضهم بعضا، ولوكان الذي ذكرتَ لم يعرف رجلٌ وجهه لا أين يذهب ولا أين يسقط، فلا نصبح إلا ونحن بين مقتول ومأسور!
فقال له رفاعة البجلي: فإنّك نعم ما رأيت.
وأخذ أهل الشام يتنادون: إنّ اللّه قد أهلكهم! فأقدموا عليهم فأفرغوا منهم قبل الليل.
فأخذوا يقدمون عليهم فقاتلوهم حتّى العشاء قتالًا شديداً.
وقام كريب بن زيد الحميري فجمع إليه رجالًا من حمير وهمدان في جماعة إن كانت أقلّ من مئة رجل فقلّما تنقص، فقال لهم: عباد اللّه! إنّه قد بلغني أنّ طائفة منكم يريدون أن يرجعوا إلى ما خرجوا منه إلى دنياهم، وإن هم ركنوا إلى دنياهم رجعوا إلى خطاياهم؛ فأمّا أنا فواللّه لا أوَلِّي هذا العدو ظهري حتّى أرد موارد إخواني؛ فروحوا إلى ربّكم، فواللّه ما في شيء من الدنيا خَلَفٌ من رضا اللّه و «التوبة» إليه. فقالوا له: رأيْنا مثل رأيك.
فمضى برايته حتّى دنا من جموع ذي الكلاع الحميري، فسأل عنهم فأخبروه أنّهم من حمير، فعرض عليهم الأمان، فأجاب كريب: إنّا كنا آمنين في الدنيا وإنّما خرجنا نطلب أمان الآخرة! ثمّ قاتلوا حتّى قتلوا رحمهم اللّه.
وكان صخير بن حذيفة المزني من المحرِّضين على القتال، والآن مشى في ثلاثين رجلًا من مزينة وقال لهم: لا تهابوا الموت في اللّه فإنّه لاقيكم، ولا ترجعوا إلى الدنيا التي خرجتم منها إلى اللّه فإنّها لا تبقى لكم، ولا تزهدوا فيما رغبتم فيه من ثواب اللّه فإنّ ما عند اللّه خير لكم! فأجابوه فمشى بهم فقاتلوا