عصر الإمام السجاد، سياسياً و إجتماعياً - اليوسفي الغروي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٩ - يزيد، وبنو زياد
همّام: يا ابن همّام! إن كنت أردت بهذا القول وجه اللّه فاطلب ثوابك من اللّه، وإن كنت اعتريت به رضا الناس وطلب أموالهم فاكدم الجندل! فواللّه ما مَن قال قولًا لغير اللّه وفي غير ذات اللّه بأهل أن ينحلّ ولا يوصل!
وكان قيس بن طهفة النهدي صهراً للأشعث بن قيس حاضراً فقال لابن همّام: فإنّ لك عندي فرساً ومطرفاً، وكذلك قال له عبد اللّه بن شدّاد الجشمي الذي استأمن له.
وقال المختار لهم: إذا قيل لكم خير فاقبلوه، وإن قدرتم على مكافأة فافعلوه وإن لم تقدروا فتنصّلوا، واتّقوا لسان الشاعر فإن شرّه حاضر وقوله فاجر! وسعيه بائر وهو بكم غداً غادر! وقد آمنّاه وأجرناه.
ثمّ قام إبراهيم النخعي فانصرف بالشاعر إلى منزله وأعطاه فرساً ومطرفاً وألف درهم[١]!
وكان المختار أوّل أمره يجلس للناس ضحىً وعصراً يقضي بينهم، ثمّ استقضى شريح القاضي، فأخذ أنصار المختار يذمّونه ويسندون إليه: أنّه عثماني الرأي والهوى، فقد عزله عليّ (ع) عن القضاء، وهو ممّن شهد على حجر بن عدي، ولم يبلّغ عن هانئ بن عروة ما أرسله به، فلمّا سمع شريح بذلك تمارض[٢].
وروى المعتزلي: أنّ المختار قال لشريح: ماذا قال لك أمير المؤمنين يوم كذا؟ وكان قد قضى قضاء نقمها عليه (ع)، فقال له: واللّه لأنفينّك إلى بانقيا (من قرى اليهود على فرات الكوفة) شهرين تقضي بين اليهود! ثمّ قُتِل (ع) قبل أن يفعل ذلك. فقال شريح للمختار: إنّه قال لي كذا. فقال له المختار:
لا واللّه لا تقعد حتّى تخرج إلى بانقيا تقضي بين اليهود! فسيّره إليها، فقضى بين اليهود شهرين[٣].
شرحبيل الهمداني إلى المدينة:
مرّ أنّ المختار لمّا اطّلع على ملجأ ابن مطيع العدوي الأمير الزبيريّ على الكوفة في دار أبي موسى الأشعري، جهّزه بمائة آلاف درهم ليخرج منها، وبذلك لم يهدم الجسر بينه وبين ابن الزبير نفسه.
واخبر المختار أنّ عبد الملك بن مروان قد بعث عبد الملك بن الحارث الأموي إلى وادي القرى من الحجاز، فرأى أن يظاهر لابن الزبير بمناصرته فكتب إليه: أمّا بعد، فقد بلغني أنّ عبد الملك بن مروان قد بعث إليك جيشا، فإن أحببت أن أمدّك بمدد أمددتك.
فكتب ابن الزبير إليه: أمّا بعد، فإن كنت على طاعتي .. فإذا أتتني بيعتك صدّقت مقالك وكففت جنودي عن بلادك! وعجّل عليّ بتسريح الجيش الذي أنت باعثه، فلست أكره أن تبعث الجيش إلى بلادي، ومرهم فليسيروا إلى من بوادي القرى من جند ابن مروان فليقاتلوهم، والسلام.
فدعا المختار شرحبيل بن ورس الهمداني وجعل معه سبع مائة رجل من العرب وألفين وثلاثمائة تمام الثلاثة آلاف من الموالي! وقال له: سر إلى المدينة، فإذا دخلتها فاكتب إليّ بذلك حتّى يأتيك أمري!
فروى أبو مخنف عن إسماعيل بن نعيم وكان معهم قال: كان المختار يريد أن يبعث أميراً على المدينة من قبله ويأمر ابن ورس أن يمضي إلى مكّة فيحاصر ابن الزبير ويقاتله!
[١] . تاريخ الطبري ٣٥: ٦- ٣٧ عن أبي مخنف.
[٢] . تاريخ الطبري ٣٥: ٦ عن أبي مخنف.
[٣] . شرح النهج للمعتزلي ٩٨: ٤ عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي.