الحق اليقين في تراجم المعصومين - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٣٢ - ثانيا شهادة الإمام علي بن أبي طالب(ع)
قال محمد بن الحنفية ثم إنّ أبي قال: (احملوني إلى منزلي)، فحملناه إليه وهو مدنف[١] والناس حوله قد أشرفوا على الهلاك من البكاء والعويل فالتفت الحسن إلى أبيه وهو باك حزين فقال: (يا أبت من لنا بعدك وإنّ مصابنا بك مثل مصابنا برسول الله كأننا ادخرنا البكاء لك ياأبتاه)، فقربه أمير المؤمنين (ع) إليه وأدناه ونظر إلى عينيه مقروحتين من البكاء فمسح الدموع من عينيه ووضع يده على صدره وقال (ع): (يا بني أسكن الله قلبك بالصبر وعظم أجرك وأجر إخوتك بمصابكم بي وأسكن الله اضطرابك ودموع عينيك فإنّ الله يؤجركم بقدر مصابكم)، ثم حمل إلى موضع مصلاه في حجرته وأقبلت زينب وأم كلثوم تندبانه وتقولان: (من للصغير حتى يكبر ومن للكبير بين الملأ، يا أبتاه حزننا عليك طويل وعبرتنا لا ترقى) فضج الناس بالبكاء والعويل من وراء الحجرة وفاضت دموع أمير المؤمنين على خديه وجعل يقلب طرفه في أهل بيته ثم دعى الحسن والحسين وجعل يقبلهما ثم أغمي عليه ساعة طويلة ثم أفاق، فلما أفاق ناوله الحسن قعباً من لبن فشرب منه قليلًا ثم نحاه عن فمه وقال (ع): (احملوه إلى أسيركم بحقي عليكم طيبوا طعامه وشرابه وارفقوا به إلى حين موتي).
قال محمد بن الحنفية: وبتنا ليلة عشرين مع أبي وقد نزل السم إلى بدنه الشريف وكان يصلي تلك الليلة من جلوس ولم يزل يوصينا بوصاياه ويعزينا عن نفسه فلما أصبح استأذن الناس عليه فأذن لهم فدخلوا وأقبلوا يسلمون عليه وهو يرد عليهم السلام ثم قال (ع): (أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني وخففوا سؤالكم لمصيبة إمامكم)، قال فبكى الناس عند ذلك بكاءً شديداً واشفقوا أنْ يسألوه تخفيفاً عنه فقام إليه حجر بن عدي الطائي وقال:
|
فيا أسفي على المولى التقي |
أبي الأطهار حيدرة الزكي |
|
فلما نظر إليه قال (ع): (كيف بك يا حجر إذا دعيت إلى البراءة مني فما عساك أن تقول)، قال: والله يا أمير المؤمنين لو قطعت بالسيف إرباً إرباً وأضرمت لي النار
[١] المدنف: من اشتد به المرض