الحق اليقين في تراجم المعصومين - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٥٣ - رابعا بكاؤها وشهادتها
وروي أنّها ما زالت بعد أبيها معصبة الرأس ناحلة الجسم منهدة الركن باكية العين محترقة القلب يغشى عليها ساعة بعد أخرى وتقول لولديها: (أين جدكما الذي كان يكرمكما ويحملكما مرة بعد مرة اين أبوكما الذي كان أشد الناس شفقة عليكما فلا يدعكما تمشيان على الأرض ولا أراه يفتح هذا الباب أبداً ولا يحملكما على عاتقه كما لم يزل يفعل ذلك بكما)، ثم مرضت ومكثت أربعين ليلة فلما نعيت إليها نفسها دعت أم أيمن واسماء بنت عميس ووجهت خلف علي فأحضرته وقالت (ع): (يا ابن عم إنه قد نعيت إلى نفسي وإنني لا أرى مابي إلّا أنني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة وأنا أوصيك باشياء في قلبي)، فقال لها علي (ع): (وصّني بما أحببت يا بنت رسول الله) فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت فقالت (ع): (يا ابن عم ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني)، فقال معاذ الله إنني أعلم بالله وأبرَ وأتقى وأكرم وأشد خوفاً من الله أن أوبخك بمخالفتي قد عزّ علي مفارقتك وتفقدك إلّا إنه أمر لا بد منه والله جددني على مصيبة رسول الله وقد عظمت وفاتك وفقدك فإنا لله وإنا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضها وأحزنها هذه والله مصيبة لا عزاء لها ورزية لا خلف لها)، ثم بكيا جميعاً ساعة وأخذ علي رأسها وضمها إلى صدره ثم قال (ع): (أوصيني بما شئت فإنك تجديني أمضي فيها كما أمرتيني وأختار أمرك على أمري) فقالت (ع): (جزاك عني خيراً يا بن عم أوصيك أولًا أن تتزوج بعد بابنة إمامة فإنها تكون لولدي مثلي فإن الرجال لابد لهم من النساء ثم قالت (ع): يا بن عم وأوصيك ثانياً أن تتخذ لي نعشاً رأيت الملائكة صوروا صورته)، فقال (ع) صفيه لي) فوصفته له فأتخذه لها وهو أول نعش حمل على وجه الأرض ثم قالت (ع): (أوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني وأخذوا حقي فإنهم عدوي وعدو رسول الله ولا تترك أن يصلي علي أحد منهم ولامن أتباعهم وأدفني ليلًا إذا هدأت العيون ونامت الأبصار).
وروى العياش قال دخلت أم سلمة على فاطمة (ع) فقالت لها: كيف أصبحت عن ليلتك يا بنت رسول الله فقالت (ع): (أصبحت بين كمد وكرب فَقَدُ