صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٢٠ - ٧٥ - أدلة منكري الخلود
٧٥- أدلّة منكري الخلود
إن المخالفين للخلود استدلوا على قولهم بوجوه:
منها: أن القضاء و القدر[١] ينافيان الخلود و قد ذكروا فى توضيح ذلك مطالب ضعيفة.
و نحن نقول لهم ان كان القدر و القضاء لاينافيان اختيار العبد و انتخابه و ارادته فاستدلالكم باطل، و ان كانا منافيان لم يصح أصل عذابهم حتى دخولهم فى النار ليوم واحد أوساعة واحدة لكونه ظلماً وجوراً وزوراً؛ اذ مع الجبر يقبح المدح و الذم فضلًا عن استحقاق الثواب و العذاب فى نارجهنم تعالى اللّه عنه.
ومنها: أنه لاداعى للّه سبحانه لإخلاد الكفار المعاندين و المقصرين فى العذاب، امّا بناءاً على تجسم الأعمال و ترتّب المجازات عليها كترتّب المعلول على العلة، أو لأجل انقلاب نفس الأعمال إلى النار فى جهنم، و اللذات فى الجنة، من دون فرض العلية و السببية، فان العقل يستبعد وجود المجازات الدائمة الأبدية من معصية محدودة ككفر خمسين سنة مثلًا و لا يقبله.
و اما بناءً على جعلية المجازات و اعتباريتها (والإستحقاق العقلائى) فلا داعي للّه تعالى فى أصل عقاب الكفار و المؤمنين ولو موقتاً فضلًا عن اخلاد الاولين فى العذاب، اذ دواعى العذاب إنّما هى فى الدنيا دون الآخرة فإنها تنتفي هناك بانتفاء موضوعها.
أقول: و هذا الاستدلال ضعيف، فأولًا أنه مجرد استبعاد باقرار المستدل و لاعبرة به فى المسائل العقلية النظرية. ثم ان الاستبعاد عن تأثير الطبيعة أو العلية أو العينية الذاتية غلط مخالف للعقل. و قد تقدم الفرق بين الدارين مفصلًا فى الفصل (٧٠)
و ثانياً: ادعاء نفى داع التعذيب عن موجود لايتناهى وجوداً و علماً و قدرةً و هو الحكيم العدل الرؤف، من قبل انسان ضعيف عقلًا و علماً و هو مسجون فى أحاسيسه البعيدة عن
[١] - و الحق خلافاً للمشهور تقدم القدر على القضاء كما فصل فى الجزء الثانى من صراط الحق.