صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢١٨ - ٧٤ - رد ما استدل لعموم تجسم العمل
تستلزم التجسّم و التمثّل أبداً؛ لما ينقل عن بعض الرياضيين ممّن قارب عصرنا من أن الأفعال و الحركات محفوظة فى محالّها ممكنة الرؤية فى حد نفسها، فلو قويت باصرة البشر أو حاز حاسّة سادسة لرآها بعينها، فإنّ شرائط الرؤية فى الأرض و بعض المجرات الاخرى، لعلّها مختلفة.
و بالجملة لو لم نقل: إن المستفاد من هذه الآيات الكريمة حسب متفاهم العرف العام- و هم المخاطبون بالخطابات القرآنية- هو رؤية جزاء العمل، لما دلّت على مقصودهم أيضاً، كما عرفت، و منه يظهر الحال فى قوله تعالى: «لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا» (ق: ٢٢) فإنه لا يدل على كون العمل عقاباً، بل و لا على تجسم العمل، و العمدة قوله: «إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (الطور: ١٦) لكن قوله تعالى: «جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» (الاحقاف: ١٦) ينافيه، فلا يبقى مجال للاعتماد على ظهوره بناءً على عدم كون الاول أظهر و أقوى من الثانى. فافهم.
ثم إنّ هنا وجهين- آخرين يدلان على نفى عموم تجسّم المذكور.
الأول: ما فى كثير من الآيات من استناد الثواب و العقاب إلى الله تعالى، و أنّه هو المثيب و المعاقب، و أما ما سبق من بعضهم من أنّ الإستناد المذكور إنّما هو لأجل إفاضة الصورة فهو خلاف متفاهم العرف، الّا أن يقال إن إستناد الشيء إلى الله تعالى و إلى غيره و هو علة قريبة، غير ضائر إن ثبت تجسّم العمل.
الثانى: وجود الجنّة و النار فعلًا و قبل هذا، بل لعله قبل وجود المكلّفين، كما يستفاد من جملة من الأيات و الرويات.
وجه الدلالة: أن نشأة الآخرة بعد لم تبرز حتى تتجسم الأعمال فيها، بل لم يوجد أعمال جميع المكلّفين فى هذه النشأة أيضاً، فكيف وجدت الجنّة و جهنم فعلًا.
ثم إن هذه الدعوى إن تمّت لتمّت فى خصوص العقاب الاخروى.[١] و أمّا العقاب الدنيوى
[١] - بأن يدعى أنه جزاءً طبيعى لا وضعى.