صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٩٥ - ٧١ - النسبة بين الدار الحاضرة والدار الآخرة
١٤- الدنيا محدودة و الآخرة أبدية.[١]
ثم يظهر للمتأمّل أن دار الآخرة التى بيّنه القرآن و الأحاديث و فهمها المسلمون غير الدار الآخرة التى يعتقدها الفلاسفة فى خصوصياتها و لكنهم غالباً لايصرحون بذلك فلا يستخفنّك الذين لايوقنون و ليس معنى مغائرة الدارين بمعنى عدم تحقق المادة و نفى الحياة الآخرة فى إحدى أو عدة من سيارات و كرات فى بعض السموات كما تقدّم منا بيانه و استنباطه من القرآن المجيد (مع إيكال علمها الى الله تعالى) خلافاً لغير واحد من الفلاسفة حتى المقيدين منهم بالنصوص الشرعية، و بعض المتشرعين من المتكلمين المعاصرين، فيتخيّلون أنها اذا فرضت فى المجرات أو السموات فهى تكون دنيا لاآخرة.
و هذا التحكم منهم غير مقبول، فان كلمة الدنيا ليست بمعنى الكرات المادية ككرة الأرض التى فيها تكليف و إطاعة و معصية و لا توجد فيها اكثر المواد الإرتزاقية إلّا بعمل و اكتساب، و فيها أمراض و مصائب و مصاعب و مظالم، فيمكن أن يكون بعض الكرات فى مجرّتنا دار آخرة كجنة أو جهنم، وكلمة الدنيا اسم تفضيل المؤنث و هى فى القرآن صفة للحياة بمعنى اسم المصدر.
و اعلم أنّ الحياة المذكورة على قسمين:
الحياة الدنيا فى هذه الكرة الأرضية.
الحياة الآخرة فى محل آخر.
و الاول بلحاظ الكيفية على نحوين:[٢]
[١] - انظر الفصل ٧٩.
[٢] - الدنيا فى القرآن ليس بمعنى العالم( جهان) بل هى كالكبرى و العلياء مؤنث أفعل التفضيل كالاكبر و الاعلى مثلا.
وفى المنجد: دنأ: دَنَأ و دنوا و دنؤة و دَناءة فهو دنىء: كان ذليلًا خسيسا ج أدناء و دناءاً( پست و خوار و ذليل) و فيه ايضاً: دنا: دَنا يدنو دنّوا و دناوة الشىء و منه و اليه: قرب، فهو دان، ج دناة
أقول: الظاهر ان بعض مستعملات الكلمة( الحياة الدنيا) فى القرآن بمعنى الحياة الاكثر خسة و سفلًا( پست تر) اى من المهموز و بعضها فيه بمعنى الأقرب اى الحياة الحاضرة اى من الواوى.
نعم الدنيا فى بعض الآيات لها موصوف اخر سوى الحياة كقوله تعالى:« السَّمَاءَ الدُّنْيَا و قوله:« بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى»؛ اى فى الحاشية القريبة من البر اى بَرّ المدينة و كان مشركو مكة فى قصوى الحاشية المذكورة.