المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ١٢١ - باب الجمعة
ووجه هذه الرواية أن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده فتحت الامصار ولم يتخذ أحد منهم في كل مصر أكثر من مسجد واحد لاقامة الجمعة ولو جاز اقامتها في موضعين جاز في أكثر من ذلك فيؤدى إلى القول بأن يصلى أهل كل مسجد في مسجدهم وأحد لا يقول بذلك وفي تجويز اقامة الجمعة في موضعين في مصر واحد تقليل الجماعة واقامة الجمعة من أعلام الدين فلا يجوز القول بما يؤدى إلى تقليلها.
ووجه الرواية الاخرى أن المصر قد يكون متباعد الجوانب فيشق على الشيوخ والضعفاء التحول من جانب إلى جانب لاقامة الجمعة فلدفع هذه العسر جوزنا اقامتها في موضعين والاصل فيه حديث علي رضى الله عنه حين خرج يوم العيد إلى الجبانة استخلف من يصلى بالضعفة في المسجد الجامع وما ثبت بالضروة يتقدر بقدرها وهذه الضرورة ترتفع بتجويزها في موضعين فلا نجوزها في أكثر من ذلك وجه قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى قول النبي صلى الله عليه وسلم لا جمعة ولا تشريق الا في مصر جامع فانما شرط لاقامة الجمعة المصر الواحد وهذا الشرط في حق كل فريق ولان الحرج مدفوع وفى القول بأنه لا تجوز اقامتها الا في موضع واحد معنى الحرج ومعنى تهييج الفتنة فقد يكون بين أهل مصر واحد اختلاف على وجه لو اجتمعوا في موضع كان ذلك سببا لتهييج الفتنة وقد أمرنا بتسكينها فلهذا جوزنا اقامتها في موضعين وأكثر من ذلك ولو خرج الامام يوم الجمعة إلى الاستسقاء وخرج معه ناس كثير وخلف انسانا فصلى بهم في المسجد الجامع وصلى هو بمن معه الجمعة في الجبانة وهو على غلوة من المصر فصلاة الفريقين جائزة لان فناء المصر في حكم جوف المصر فكان هذا وما لو صلى الامام في جوف المصر سواء ثم المصر كما يشترط لاقامة الجمعة يشترط لاقامة صلاة العيد وهو انما يؤدى في الجبانة على غلوة من المصر أو أكثر من ذلك فكذلك تجوز اقامة الجمعة في مثل هذا الموضع
فان قيل أليس في حق المسافر هذا الموضع في حكم المفازة لا في حكم جوف المصر حتى ان من خرج من أهل هذا المصر على نية السفر يصلى صلاة المسافرين في هذا الموضعومن قدم مسافرا من أهل هذا المصر فانتهى إلى هذا الموضع صلى صلاة المسافرين أيضا فكذلك في حق اقامة الجمعة ينبغى أن يجعل هذا الموضع بمنزلة المفازة قلنا فناء المصر موضع معد لحوائج أهل المصر باقامتهم في المصر لا باقامتهم في فنائها وانما يتغير فرض المسافر بالاقامة فيعتبر فيه موضع الاقامة وهو ما بين الابنية وأما اقامة صلاة الجمعة والعيدين