رسائل - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٨٦ - ٢- الزمان والمكان، ومباني الاجتهاد
القواعد التي يحتاجها الفقيه في عمليّة استنباط الأحكام لتكون كبرى في دليله؛ من قبيل حجّية خبر الثقة، وأمثال ذلك، فهل تغيير الشرائط والظروف وحدوث خصوصيّات جديدة يؤثِّر في مباني الاجتهاد هذه، أم لا؟
الظاهر أنّ هذه المسألة لا تؤثِّر إطلاقاً في مباني الاجتهاد. ولا يمكن أن تتعرّض القواعد بسبب ذلك- كحجّية خبرالثقة وأمثالها- للتغيير، ولكن هذه المسألة ترتبط من بعض الجهات بمباني الاجتهاد، ونشير هنا إلى ثلاث جهات منها:
الاولى: بسبب مرور الزمان وحدوث فروع جديدة، قد يكون الفقيه بحاجة إلى قواعد أُصوليّة جديدة.
فالكثير من الفقهاء العظام استخرجوا القواعد الاصوليّة المهمّة من متن الفقه وفروعه، وهذا المنهج هو المشهور والمشهود من مباحث الشيخ الأعظم قدس سره في الاصول، فعلى هذا قد يستكشف الفقيه بمرور الزمان قواعد جديدة أُصوليّة، أو غير أُصوليّة.
ولتوضيح هذا المطلب نذكر هذا المثال، وهو: أنّ فقهاء العصور القريبة من عصر المعصومين عليهم السلام أمثال السيّد المرتضى رحمه الله، التفتوا إلى أنّ جميع ما لديهم من أخبار الآحاد، محفوفة بالقرائن القطعيّة، وأساساً فإنّ خبر الواحد المجرّد من القرينة إمّا أن لا يكون لديهم منه شيء، أو إذا وجد فهو نادر جدّاً، ولكن عندما ازدادت الفاصلة تدريجيّاً مععصر المعصومين عليهم السلام تلاشت هذه القرائن، فاضطرّ الاصوليّون إلى العمل بالخبر الواحد المجرّد عن القرينة، واعتباره أحد الأدلّة الشرعيّة.
وهكذا يمكننا ذكر تقسيم الخبر إلى الأقسام الأربعة: الصحيح، الموثّق، الحسن، الضعيف، فلدى المتقدِّمين ينقسم الخبر إلى قسمين فقط: الصحيح والضعيف، ولكن منذ زمان أحمد بن موسى بن طاووس كما ذهب إليه صاحب المعالم في منتقى الجمان [١]، أو منذ زمان العلّامة الحلّي كما ذهب إليه الشيخ البهائي في
[١] منتقى الجمان ١: ١٤.