رسائل - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٥٥ - الثاني في معنى الحقّ بحسب اصطلاح الفقهاء، والفرق بينه، وبين الملك والحكم والسلطنة،
الامور الاعتباريّة، على أنّ قوله: «لا فرق بينهما، إلّافي أنّ الحقّ قابل للإسقاط» محلّ السؤال، وهو: أنّه من أين يجيء القابليّة في الحقّ دون الحكم؟ وهذا كاشف عن اختلاف أساسيّ بين الحقّ والحكم.
والتحقيق أن يقال: إنّ الحقّ وإن كان اعتباره ممكناً وقابلًا لأن يكون منشأ انتزاع الحكم أيضاً، إلّاأنّه في كثير، بل جميع الحقوق الشرعيّة والعقلائيّة يكون أمراً انتزاعيّاً قد ينتزع من الأحكام الشرعيّة التكليفيّة أو الوضعيّة، وقد ينتزع من الأحكام العقلائيّة ويسمّى حقّاً عقلائيّاً، مثلًا من وجوب إطاعة الأب وحرمة مخالفته ينتزع حقّ الابوّة، ومن جواز التصرّف في الأرض ينتزع حقّ التحجير، ومن عدم جواز مزاحمة شخص لشخص آخر ينتزع حقّ السبقة.
فمن سبق إلى مكان لايجوز للغير أن يزاحمه، والانتفاع من المكان حقّ للسابق، وينتزع أيضاً من كثير من المباحات حقّ الانتفاع بها، ومن وجوب تمكين الزوجة للزوج ينتزع حقّ الزوج، ومن وجوب نفقة الزوجة عليه ينتزع حقّ الزوجة، وهكذا. فالحقّ أمر انتزاعيّ، ويؤيّد هذا أنّه ما من فعل إلّاوله حكم في الشرع أو العرف من حرمة أو إباحة بالمعنى الأعمّ، ومن هذه الأحكام ينتزع الحقّ في بعض مواردها، وهو اصطلاح عامّ في الشرع والعرف.
إن قلت: ما هو الموجب لهذا الاصطلاح الانتزاعي، وما هي الفائدة من الانتزاع، فهل بدونه نقص، أم لا؟
قلت: إنّهم لمّا رأوا أنّ في بعض موارد الحكم يوجد نفع يرجع إلى شخص أو أشخاص، عبّروا عن هذا ب «الحقّ»، فالتعبير به، أو انتزاعه من الحكم لأجل الإشارة إلى وجود نفع خاصّ يرجع إلى من له الحقّ.