قبسات من السيرة العلوية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨ - ١٠ هل الأكثرية معيار مطلق؟
الإسلام يدعو إلى اتّباع الأكثرية الكيفية لا الأكثرية الكمية! ومن هنا قال تعالى في الآية الشريفة السابقة من سورة هود والثانية من سورة الملك: «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» ولم يقل «أكثر عملًا» لأنّ الأكثرية الكيفية هي المهمّة لا الكمية! ولكن ينبغي الالتفات إلى هذه النقطة وهي أنّ مسألة اتّباع الأكثرية في عالمنا المعاصر سبيل بائس! حيث لا يوجد في المجتمعات غير الدينية معيار للأكثرية الكيفية، والجميع يدّعون أنّهم الأفضل. وعليه فهم مضطرون للعمل طبق رأي الأكثرية لحفظ نظام المجتمع؛ وإن كان العالم والمدير والمدبّر بمقتضى ذلك على رأي واحد، والفرد الأمي والجاهل على رأي واحد كذلك! وعليه فالآيات المذكورة وأمثالها ليست بشأن المجتمع الصالح والسليم.
لا ينبغي أن نتبع الأكثرية في سلوكنا الأخلاقي، وإن اضطررنا للإتباع في حياتنا السياسية. وعليه لو أكلت اكثرية الناس على الأرض المال الحرام ولم تتورع عنه فلا ينبغي أن نتبع هذه الأكثرية. ولو كذبت هذه الأكثرية حين تتعرض مصالحها الشخصية للخطر فلا ينبغي أن نفارق صف الجماعة الصادقة بحجة كوننا أقلّية ونخشى قلّة الصادقين فنلتحق بصف الكاذبين. فالإنسان المؤمن لابدّ أن يكون مستقلًا في المسائل الأخلاقية، أي لو تلوث جميع من على الأرض (فرضاً) بالخمر فلا ينبغي له أن يستوحش من وحدته في هذا المسير ويحتذي بمنطق «حشر مع الناس عيد» أو يقول: «من يقول الصدق لنصدق نحن؟».
وما شابه ذلك؛ ذلك لأنّ هذه الأعذار ليست مقبولة يوم القيامة فالإنسان يعيش الصلاح ويطوي مسيرته إلى اللَّه حين لا يصغى لما يقوله الآخرون، بل يرى ماذا يقول اللَّه.
اللهم اجعلنا من سالكي طريق الحق، وأزِل عنّا وحشة الوحدة في هذا الطريق.