المحمدون من الشعراء واشعارهم

المحمدون من الشعراء واشعارهم - القفطي، جمال الدين - الصفحة ٥

إن الكتاب وإِن تضمَّنَ طيُّه ... كنْهَ الفصَاحة كالفصيح الأخرس
وإذا أعانته عناية حاملٍ ... فجوابه يأتي بنجح منفس
وإذا الرسول ونى وقصَّر عامداً ... كان الكتاب صحيفة المتلمِّس
قد مات يوم المِهرجان فذكره ... في الشعر أبرد من سخاء المفلِس
فسئل عن سخاء المفلس فقال: يعِد في إِفلاسه بما لا يفي به عند إمكانه، قال وأنشدني أبو عبد الله الاذوائي قال: دخل يوماً إلى القاضي أبي القاسم علي بن محمد التَّنُوخي، فوجده يقرأ " معاني الشعر " على العُبَيسي فقال: رجز.
قد قُدِّم العُجْب على الرُّويْس ... وشارف الوهْدُ أبا قُبَيْس
وطاول البَقْل فروع الميس ... وهَبَّت العنز لقرع التيس
وادَّعت الرُّوم أباً في قيس ... واختلط الناس اختلاط الحيس
إذْ قرأ القاضي حَليف الكيْس ... " معاني الشعر " على العُبيسي
وألقى ذلك إلى التنوخيِّ وانصرف، قال: وكان أبو عبد الله الاكفاني راويته، وكتب لي من مليح شعره شيئاً كثيراً، قال: ومدح أبا القاسم التنوخي فرأى منه جفاءً فكتب إليه: منسرح
لو أعْرض الناس كلُّهم وأبوْا ... لم ينقُصوا رزقي الذي قُسما
كان ودادٌ فزالَ وانصرما ... وكان عهد فبان وانهدما
وقد صحِبنا في عصرنا أُمماً ... وقد فقدنا من قبلهم أمما
فما هلكنا هزلا ولا ساخت ال ... أَرض ولم تقطر السماء دما
في الله من كل هالكٍ خلفٌ ... لا يرهب الدهر من به اعتصما
حرٌّ ظنَّنا به الجميل فما ... حقَّق ظنَّاً ولا رعى الذمما
فكان ماذا؟ ما كلُّ معتمد ... عليه يرْعى الوفاء والكرما
غلطت، والناس يغلطون وهل ... تعرف خلقاً من غلطة سلما؟
من ذا يخطي السَّداد فيه فلم ... يعرف بذنب ولم يزل قَدَما!
شلَّت يدي لِمْ جلست عن تفهٍ ... أكتُب شجوي وأمتطي القَلَما؟
يا ليتني قَبْلَها خرست فلَمْ ... أُعمِل لساناً ولا فتحت فَما
يا زلَّةً ما أُقِلْت عَثْرتَهَا ... أَبْقَتْ على القلْب والحَشا أَلَمَا
يا ربّ يا رب لا أَعودُ لَهَا ... إن عدت فاشعر مسامعي صَمَمَا
مَنْ راعَهُ بالهَوان صاحبُهُ ... فعاد فيه فَنَفَسه ظلَما
وله مجزوء البسيط
أَظْهرْتُ للرِّئم بعض وجدي ... وإنما الكوت ما سَترْتُهْ
وقلتُ: حُبِّيك قد براني ... فقال: دعه بذا أَمرْتُهْ
وله قصيدته " ذات الأشباه " وسميت بذات الأشباه لقصده فما ذكره فيها من الخبر الذي رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزُّهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله (وهو في محفل من أصحابه: " إن أحببتم أن تنظروا إلى آدم في عِلْمِه، ونوح في فهمه، وإبراهيم في خُلُقه، وموسى في مناجاته، وعيسى في سِنِّه، ومحمد في هَدْ يه وحِلْمه، فانظروا إلى هذا المُقبِل "، فتطاول الناس، فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام، فأورد المفجع ذلك في قصيدته، وفيها مناقب كثيرة، وأوّلها: خفيف
أيها اللائمي لحُبي علِياً ... قُم ذميماً إلى الجحيم خزياَّ
أبخير الأنام عرَّضْت لا زلْ ... ت مذوداً عن الهُدى مَزْويَّا
أشبه الأنبياء كهْلاً وزوْلاً ... وفطيماً وراضِعاً وغذيَّا
كان في عِلمِه كآدم إذ عُ ... لِّم شرْح الأسماء والمكْنِيَّا
وكنوحٍ نجّى من الهُلْك مَنْ سَيّ ... رَ في الفُلْك إذ عَلا الجوديَّا
وجفا في رضا الإله أباهُ ... واجتواه وعدَّه أجنبيَّا
كاعْتزال الخليل آزر في ال ... له وهجرانه أباه مَلِيَّا
ودعا قومَه فآمن لوطٌ ... أقربُ الناس منه رحْماً وريَّا
وعَليّ لمَّا دعاهُ أخُوه ... سَبق الحاضرين والبدويَّا