اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي

اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ٢٢٣

الفترة؛ فقد عاشت في مصر آنذاك طائفة كبيرة من العامة الذين لا يكادون يحصلون قوتهم اليوميّ، أو يجدون ما يستر أجسادهم, فضلًا عن جماهير الفلاحين الذين كانت حياتهم في عصر سلاطين المماليك تجسيدًا لمأساة الإنسان, حين تتضافر عليه كوارث الطبيعة وظلم الحكام. والجدير بالذكر أن الحياة بالنسبة للعامة في أواخر عصر المماليك، صارت حياةً مستحيلةً وكريهةً بسبب عوامل الإحباط المتكررة في ذلك العصر.
والواقع أن عامة المصريين لم يفيدوا كثيرًا من الدور الذي لعبته بلادهم في التجارة العالمية في عصر سلاطين المماليك، فقد ارتبطت حياتهم، إلى حدٍّ كبيرٍ، بالأرض الزراعية وما تغله من نتاج, ومن المعلوم أن الزراعة في مصر كانت، ولا تزال، تعتمد عل مياه نهر النيل, وحين كان ماء النهر يقل عن الحدِّ اللازم للزراعة، كان الناس يقلقون, وتنتابهم المخاوف من حدوث المجاعة, نتيجةً لعدم زراعة محاصيل جديدة، ومن ثَمَّ يسارع أصحاب القدرة إلى تخزين ما لديهم من الغلال ضمانًا لقوتهم وقوت عيالهم أثناء الأزمة المتوقعة، كما يسارع التجار وأمراء المماليك -الذين كانوا يستولون على معظم نتاج الأرض- إلى تخزين غلالهم طمعًا في الحصول على أرباح أكثر عن طريق رفع الأسعار, ونتيجةً لهذا, يشتد الإقبال على شراء الغلال، على حين يقل المطروح من البضائع في الأسواق, ويشتد التزاحم على الأفران، وحوانيت بيع الغلال, ويتبع ذلك بالضرورة تصعيد خطير في الأسعار، ويظهر إلى الوجود ما نعرفه اليوم باسم: "السوق السوداء" على حَدِّ تعبيرنا المعاصر. وتمتد حمَّى الأسعار إلى كل " ... ما يباع ويشترى؛ من مأكول ومشروب وملبوس ... " ويؤدي ذلك بدوره إلى ارتفاع العمال أو "أرباب المهن والصنائع" على حد تعبير مؤرخي ذلك العصر, وكان هبوط مياه النيل وتعطل الزراعة كارثة عامة تقضّ مضاجع الناس؛ فتضطرب أحوالهم, ويعظم خوفهم, ويشتد بكاؤهم ونحيبهم في الأسواق "المقريزي: إغاثة الأمة، بكشف الغمة، ص٤١-ص٤٣".