السيرة النبوية - ط مكتبة محمد علي صبيح وأولاده - ابن هشام الحميري - الصفحة ٤٥٤ - حكيم بن حزام وعتبة بن ربيعة يشيران بعودة قريش من غير قتال فيأبى أبو جهل ويصر على خونن المعركة
حتى انظر أللقوم كمي أو مدد ؟ قال : فضرب في الوادي حتى أبعد ، فلم ير شيئا ، فرجع إليهم ، فقال : ما وجدت شيئا ، ولكني قد رأيت ، ما معشر قريش ، البلايا تحمل المنايا ، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع ، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم ، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك ؟ فروا رأيكم .
فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس ، فأتى عتبة بن ربيعة ، فقال : يا أبا الوليد ، إنك كبير قريش وسيدها ، والمطاع فيها ، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر ؟ فقال : وما ذاك يا حكيم ؟ قال :
ترجع الناس ، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي ، قال : قد فعلت ، أنت على بذلك ، إنما هو حليفي ، فعلى عقله وما أصيب من ماله ، فأت ابن الحنظلية - قال ابن هشام : والحنظلية أم أبى جهل ، وهي أسماء بنت مخربة ، أحد بنى نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم - فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره ، يعنى أبا جهل [ بن هشام ] ثم قام عتبة [ بن ربيعة ] خطيبا ، فقال : يا معشر قريش ، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا ، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه ، قتل ابن عمه ، أو ابن خاله ، أو رجلا من عشيرته ، فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب ، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم ، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون .
قال حكيم : فانطلقت حتى جئت أبا جهل ، فوجدته قد نثل درعا له من جرابها ، فهو يهنئها . [ قال ابن هشام : يهيئها ] - فقلت له : يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا ، للذي قال ، فقال : انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه ، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد ، وما بعتبة ما قال ، ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جزور ، وفيهم ابنه ، قد تخوفكم