مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٩٠٢ - المعنى
(١) -
اللغة
يقال لكل من نجا من هلكة و كل من لقي ما يغتبط به فقد فاز و تأويل فاز تباعد عن المكروه و لقي ما يحب و معنى قولهم مفازة للمهلكة التفؤل و إنما المفازة المنجاة كما سموا اللذيع سليما و الأعمى بصيرا.
المعنى
ثم بين سبحانه أن مرجع الخلق إليه فيجازي المكذبين رسله على أعمالهم من حيث حتم الموت على جميع خلقه فقال «كُلُّ نَفْسٍ ذََائِقَةُ اَلْمَوْتِ» أي ينزل بها الموت لا محالة فكأنها ذاقته و قيل معناه كل نفس ذائقة مقدمات الموت و شدائده و سكراته كقوله تعالى «حَتََّى إِذََا جََاءَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ» و على هذا جاء قوله لقنوا أمواتكم شهادة أن لا إله إلا الله و هذا الظاهر يدل على أن كل نفس تذوق الموت و إن كانت مقتولة و إن القتل لا ينفك عن الموت الذي هو فعل الله و قيل أن المراد بالموت هنا انتفاء الحياة و القتيل قد انتفت الحياة منه و القتيل فهو داخل في الآية «وَ إِنَّمََا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ» معناه و إنما تعطون جزاء أعمالكم وافيا «يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ» إن خيرا فخيرا و ثوابا و إن شرا فشرا و عقابا فإن الدنيا ليست بدار جزاء و إنما هي دار عمل و الآخرة دار جزاء و ليست بدار عمل «فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ اَلنََّارِ وَ أُدْخِلَ اَلْجَنَّةَ» أي بوعد عن نار جهنم و نجي عنها و أدخل الجنة «فَقَدْ فََازَ» أي نال المنية و ظفر بالبغية و نجا من الهلكة «وَ مَا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا إِلاََّ مَتََاعُ اَلْغُرُورِ» معناه ما لذات الدنيا و شهواتها و زينتها إلا متعة متعكموها الغرور و الخداع المضمحل الذي لا حقيقة له عند الاختبار لأنكم تلتذون بها ثم أنها تعود عليكم بالرزايا و الفجائع و لا تركنوا إليها و لا تغتروا بها فإنها هي غرور و صاحبها مغرور و قيل متاع الغرور القوارير و هي في الأصل ما لا بقاء له عن عكرمة و في الآية دلالة على أن أقل نعيم من الآخرة خير من نعيم الدنيا باسرة و لذلك قال (ع) موضع سوط في الجنة خير من الدنيا و ما فيها و فيها دلالة على أن كل حي سيموت و لو لا ورود السمع بذلك لكان يجوز في العقل أن يتصل حياتهم إلى وقت المجازاة و إذا قيل أ ليس من قولكم لا بد من القطع بين حال التكليف و حال المجازاة فجوابه أن ذلك القطع كان يجوز أن يحصل مع بقاء الحياة و فيها دلالة على أن المقتول يحصل فيه الموت و قد اختلف في الموت قول أبي علي و أبي هاشم فعند أبي علي الموت معنى يضاد الحياة و عند أبي هاشم عدم الحياة فعلى كلا المذهبين يجوز حصوله في المقتول.