مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٦٦٤ - المعنى
(١) - شئت فيكون للتعميم و الأول أولى و مما جاء في الحديث في صدقة السر قوله صدقة السر يكون معناه الإباحة للتصدق عليهم بصدقة التطوع (و ثانيها) أن معناه ليس عليك هداهم بالحمل على النفقة في وجوه البر و سبل الخير عن الحسن و أبي علي الجبائي و تقديره ليس عليك أن تهدي الناس إلى نيل الثواب و الجنة و إنما عليك أن تهديهم إلى الإيمان بأن تدلهم عليه و هذا تسلية للنبي لأنه كان يغتم بترك قبولهم منه و امتناعهم عن الإيمان لعلمه بما يؤول إليه أمرهم من العقاب الدائم فسلاه الله تعالى بهذا القول (و ثالثها) أن المراد ليس عليك أن تهدي الناس بعد أن دعوتهم و أنذرتهم و بلغتهم ما أمرت بتبليغه و نظيره إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ اَلْبَلاََغُ و ليس المعنى ليس عليك أن تهديهم إلى الإيمان و الطاعة لأنه ما بعث إلا لذلك «وَ لََكِنَّ اَللََّهَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ» إنما علق الهداية بالمشيئة لمن كان المعلوم منه أنه يصلح باللطف أي بلطف الله بزيادة الهدى و التوفيق لمن يشاء عن الزجاج و أبي القاسم البلخي و أكثر أهل العلم و قيل معناه يهدي إلى طريق الجنة عن الجبائي «وَ مََا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ» أي ما تنفقوا في وجوه البر من مال فلأنفسكم ثوابه و الغرض فيه الترغيب في الإنفاق لأن الإنسان إذا علم أن منفعة إنفاقه عائدة إليه مختصة به كان أسمح بالإنفاق و أرغب فيه و أحرص عليه و بذلك يفارق عطية الله لأن المنفعة في عطائه عائدة إلى المعطي و مختصة به دون الله و معظم المنفعة في عطية العبد ترجع إليه و تختص به دون المعطى «وَ مََا تُنْفِقُونَ إِلاَّ اِبْتِغََاءَ وَجْهِ اَللََّهِ» أي إلا طلب رضوان الله و هذا إخبار من الله عن صفة إنفاق المؤمنين المخلصين المستجيبين لله و لرسوله أنهم لا ينفقون ما ينفقونه إلا طلبا لرضاء الله تعالى و قيل أن معناه النهي و إن كان ظاهره الخبر أي و لا تنفقوا إلا ابتغاء مرضاة الله و في ذكر الوجه هنا قولان (أحدهما) أن المراد به تحقيق الإضافة لأن ذكر الوجه يرفع الإبهام أنه له و لغيره و ذلك أنك لما ذكرت الوجه و معناه النفس دل على أنك تصرف الوهم عن الاشتراك إلى تحقيق الاختصاص و كنت بذلك محققا للإضافة و مزيلا لإيهام الشركة (و الثاني) أنك إذا قلت فعلته لوجه زيد كان أشرف في الذكر من فعلته له لأن وجه الشيء في الأصل أشرف ما فيه ثم كثر حتى صار يدل على شرف الذكر من غير تحقيق وجه أ لا ترى أنك تقول وجه الرأي و وجه الأمر و وجه الدليل فلا تريد تحقيق الوجه و إنما تريد أشرف ما فيه من جهة شدة ظهوره و حسن بيانه «وَ مََا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ» أي يوفر عليكم جزاؤه و ثوابه و التوفية إكمال الشيء و إنما حسن إليكم مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية و قيل معناه تعطون جزاءه وافرا وافيا في الآخرة عن ابن عباس «وَ أَنْتُمْ لاََ تُظْلَمُونَ» بمنع ثوابه و لا بنقصان جزائه كقوله آتَتْ أُكُلَهََا وَ لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً أي لم تنقص.