مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٨٩٩ - المعنى
٨٩٩
(١) - قَوْلَ اَلَّذِينَ قََالُوا إِنَّ اَللََّهَ فَقِيرٌ» قيل معناه أدرك قولهم و قيل علم ذلك عن البلخي «إِنَّ اَللََّهَ فَقِيرٌ» أي ذو حاجة لأنه يستقرض منا «وَ نَحْنُ أَغْنِيََاءُ» عن الحاجة و قد علموا أن الله لا يطلب القرض و إنما ذلك تلطيف في الاستدعاء إلى الإنفاق و إنما قالوه تلبيسا على عوامهم و قيل معناه قالوا إن الله فقير لأنه يضيق علينا الرزق و نحن أغنياء لأنا نوسع الرزق على أهالينا «سَنَكْتُبُ مََا قََالُوا» قيل معناه سنحفظ ما قالوا و كني بالكتابة عن الحفظ لأنه طريق إلى الحفظ و قيل نأمر بكتب ذلك في صحائف أعمالهم و إنما يفعل ذلك مبالغة في الزجر عن المعصية لأن المكلف إذا علم أن أفعاله و أقواله مكتوبة في الصحائف و أنه لا بد من عرضها عليه و من قراءته على رءوس الأشهاد يوم التناد كان ذلك أبلغ له في الزجر عن المأثم و أمنع عن ارتكاب الجرائم «وَ قَتْلَهُمُ اَلْأَنْبِيََاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ» أي و سنكتب قتل أسلافهم الأنبياء و رضى هؤلاء به فنجازي كلا بفعلهو فيه دلالة على أن الرضا بفعل القبيح يجري مجراه في عظم الجرم لأن اليهود الذين وصفوا بقتل الأنبياء لم يتولوا ذلك بأنفسهم و إنما ذموا بذلك لأنهم بمنزلة من تولاه في عظم الإثم «وَ نَقُولُ ذُوقُوا عَذََابَ اَلْحَرِيقِ» يعني المحرق و إنما الفائدة فيه أن يعلم أن العذاب بالنار التي تحرق و هي الملتهبة لأن ما لم تلتهب لا يسمى حريقا و قد يكون العذاب بغير النار و يفيد قوله «ذُوقُوا» إنكم لا تتخلصون من ذلك يقال ذق هذا البلاء أي إنك لست بناج منه} «ذََلِكَ» إشارة إلى ما سبق أي ذلك العقاب «بِمََا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ» معناه بما كنتم عملتموه و جنيتموه على أنفسكم «وَ أَنَّ اَللََّهَ لَيْسَ بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ» أي بأن الله لا يظلم أحدا من عباده و إنما أضافه إلى اليد و إن كانت تكتسب الذنوب بجميع الجوارح لأن عامة ما يكسبه الإنسان إنما يكسبه بيده و لأن العادة قد جرت بإضافة الأعمال التي يلابسها الإنسان إلى اليد و إن كان اكتسبها بجارحة أخرى فجرى خطاب القديم تعالى على عادتهم و في هذا دلالة على بطلان مذهب المجبرة لأنه يدل على أنه لو وقع العقاب من غير جرم سلف من العبد لكان ظلما و ذلك على خلاف ما يذهبون إليه من أنه سبحانه يعذب الكفار من غير جرم سلف منهم و أنه يخلق فيهم الكفر ثم يعذبهم عليه لأنه لا ظلم أعظم من ذلك و إنما ذكر لفظ الظلام و هو للتكثير تأكيدا لنفي الظلم عنه.
ـ