مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٦٣٦ - المعنى
(١) - الموت للحي على سبيل الاختراع الذي ينفرد به تعالى و لا يقدر عليه سواه «قََالَ إِبْرََاهِيمُ فَإِنَّ اَللََّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ اَلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهََا مِنَ اَلْمَغْرِبِ» قيل في انتقاله من حجة إلى أخرى وجهان (أحدهما) أن ذلك لم يكن انتقالا و انقطاعا عن إبراهيم فإنه يجوز من كل حكيم إيراد حجة أخرى على سبيل التأكيد بعد تمام ما ابتدأ به من الحجاج و علامة تمامه ظهوره من غير اعتراض عليه بشبهة لها تأثير عند التأمل و التدبر لموقعها من الحجة المعتمد عليها (و الثاني) أن إبراهيم إنما قال ذلك ليبين أن من شأن من يقدر على إحياء الأموات و إماتة الأحياء أن يقدر على إتيان الشمس من المشرق فإن كنت قادرا على ذلك فأت بها من المغرب و إنما فعل ذلك لأنه لو تشاغل معه بأني أريت اختراع الموت و الحيوة من غير سبب و لا علاج لاشتبه على كثير ممن حضر فعدل إلى ما هو أوضح لأن الأنبياء إنما بعثوا للبيان و الإيضاح و ليست أمورهم مبنية على تحاج الخصمين و طلب كل واحد منهما غلبة خصمه و قد روي عن الصادق (ع) أن إبراهيم (ع) قال له أحي من قتلته إن كنت صادقا
ثم استظهر عليه مما قاله ثانيا «فَبُهِتَ» الذي كفر أي تحير عند الانقطاع بما بأن من ظهور الحجة فإن قيل فهلا قال له نمرود فليأت بها ربك من المغرب قيل عن ذلك جوابان (أحدهما) أنه لما علم بما رأى من الآيات أنه لو اقترح ذلك لأتى به الله تصديقا لإبراهيم فكان يزداد بذلك فضيحة عدل عن ذلك (و الثاني) أن الله خذله و لطف لإبراهيم حتى أنه لم يأت بشبهة و لم يلبس «وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ» بالمعونة على بلوغ البغية من الفساد و قيل معناه لا يهديهم إلى المحاجة كما يهدي أنبياءه و أولياءه و قيل معناه لا يهديهم بألطافه و تأييده إذا علم أنه لا لطف لهم و قيل لهم لا يهديهم إلى الجنة و هذا لا يعارض قوله وَ أَمََّا ثَمُودُ فَهَدَيْنََاهُمْ لأنا قد بينا معاني الهداية و وجوهها قبل عند قوله يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً فبعضها عام لجميع المكلفين و بعضها خاص للمؤمنين و في هذه الآية دلالة على أن المعارف غير ضرورية إذ لو كانت كذلك لما صحت المحاجة في إثبات الصانع و فيها دلالة على فساد التقليد و حسن الحجاج و أنه تعالى إنما يعلم بأفعاله التي لا يقدر عليها غيره و في تفسير ابن عباس أن الله سبحانه سلط على نمرود بعوضة فعضت شفتيه فأهوى إليها بيده ليأخذها فطارت في منخره فذهب ليستخرجها فطارت في دماغه فعذبه الله بها أربعين ليلة ثم أهلكه.