عوالم العلوم و المعارف - البحراني الأصفهاني، الشيخ عبد الله - الصفحة ٣٢٧ - ١٧- باب نادر في ذكر مذاهب الذين خالفوا الفرقة المحقة في القول بالأئمة الاثنا عشر
بصحّتها، و لو كان صحيحا أيضا لما كان في تضمنه دليل الإمامة، لأن مسح أبي عبد اللّه (عليه السلام) التراب عن وجه ابنه ليس بنص عليه في عقل و لا سمع و لا عرف و لا عادة، و كذلك ضمّه إلى صدره، و كذلك قوله «إن أبي أخبرني أن سيولد لي ولد يشبهه» و أنه أمره بتسميته باسمه، و أنه أخبره أنه يكون على سنّة [١] رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). و لا في مجموع هذا كلّه دلالة على الإمامة في ظاهر قول و فعل، و لا في تأويله.
و إذا لم يكن في ذلك دلالة على ما ذهبوا إليه بان بطلانه مع أن محمدا بن جعفر خرج بالسيف بعد أبيه و دعا إلى إمامته و تسمّى بامرة المؤمنين، و لم يتسمّ بذلك أحد ممن خرج من آل أبي طالب، و لا خلاف بين أهل الإمامة أن من تسمّى بهذا الاسم بعد أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد أتى منكرا، فكيف يكون هذا على سنّة [٢] رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لو لا أن الراوي لهذا الحديث قد وهم فيه أو تعمّد الكذب.
و أمّا الفطحيّة فإن أمرها أيضا و أصح، و فساد قولها غير خاف و لا مستور عمّن تأمّله، و ذلك أنهم لم يدّعوا نصا من أبي عبد اللّه (عليه السلام) على عبد اللّه، و إنّما عملوا على ما رووه من أن الإمامة تكون في الأكبر و هذا حديث لم يرو قطّ إلّا مشروطا، و هو أنّه قد ورد أن الإمامة تكون في الأكبر ما لم تكن به عاهة، و أهل الإمامة القائلون بامامة موسى (عليه السلام) متواترون بأن عبد اللّه كانت به عاهه في الدين، لأنّه كان يذهب إلى مذاهب المرجئة الذين يقفون في علي (عليه السلام) و عثمان، و أن أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال:- و قد خرج من عنده عبد اللّه- «هذا مرجئ كبير».
و أنه دخل عليه [عبد اللّه] يوما و هو يحدّث أصحابه، فلمّا رآه سكت حتى خرج، فسئل عن ذلك فقال: «أو ما علمتم أنه من المرجئة؟» هذا مع أنّه لم يكن له من العلم ما يتخصص به من العامة، و لا روي عنه شيء من الحلال و الحرام، و لا كان بمنزلة من يستفتى في الأحكام، و قد ادّعى الإمامة بعد أبيه فامتحن بمسائل صغار، فلم يجب عنها و لا تأتىّ [٣] للجواب، فأيّ علّة أكثر ممّا ذكرناه تمنع من إمامة هذا الرجل؟ مع أنه لو لم تكن علّة تمنع من إمامته لما جاز من أبيه صرف النصّ عنه، و لو لم يكن قد صرفه عنه لأظهره فيه، و لو أظهره لنقل و كان معروفا في أصحابه، و في عجز القوم عن التعلّق بالنصّ عليه دليل على بطلان ما ذهبوا إليه.
[١]- شبه.
[٢]- شبه.
[٣]- تأتّى للأمر: تهيّأ و تسهّل.