جواهر الأصول - تقريرات - الأنصاري الأراكي، الشيخ محمد إبراهيم - الصفحة ١٩٧ - الفرق بين اليقين الأصولي و اليقين المنطقي
الحسية المتعاقبة في وجدان النفس.
و أما القضية المحسوسة بمعنى حكم العقل بمطابقة الصورة المحسوسة للواقع فالمطابقة بمعنى وجود أصل واقع ما وراء عالم الحس هي قضية بديهية واضحة لدى العقل في مستوى سائر بديهياته، و أما المطابقة التفصيلية بين المحسوس و الواقع فهي و ان كان قد يحصل الجزم بها كثيراً بمعناه الاصولي، و لكنه ليس يقينياً بالمعنى المنطقي، أي ليس مضمون الحقانية لا على أساس البداهة و لا على اساس الاكتساب المنطقي؛ لأن الجزم بالمطابقة ليس بديهياً، و إلا للزم وقوع الخطأ في البديهيات لكثرة وقوع الخطأ في امثال ذلك الجزم، كما انه ليس مكتسباً اكتساباً منطقياً برهانياً من البديهي، و هكذا نعرف ان المقدار المضمون الحقانية انما هو اصل الواقع الموضوعي لا القضايا المحسوسة بمعنى المطابقة للواقع.
و أما القضايا التجريبية و الحدسية التي تتفق في الجوهر و ان اختلفت التجريبية عن الحدسية في وجود العمل من المجرب دون الحادس فهي جميعاً ليست مضمونة الحقانية، و بالتالي ليست يقينية بحسب عرف كتاب البرهان، فالانسان حين يستنتج ان شراب «السقمونيا» علة للاسهال بالتجربة كما يقولون، لا بد له ان ينفي علية أي شيء آخر اتفق وجوده في تلك الحالات، و بعد ذلك و على اساس مبدأ العلية الاولى مثلا يستنتج ان الشراب الخاص هو العلة لاستحالة وجود المعلول بدون العلة، و لكن من اين له الجزم بنفي علية ما عدا الشراب؟ ان طريقه الى ذلك هو محاولة ملاحظة اثر الشراب في حال عدم وجود أي شيء تحتمل عليته، و من المعلوم أن الجزم بذلك على هذا الاساس، و القطع بانه لم يبقى شيء مما يحتمل عليته موجوداً حال الشراب ليس من البديهيات، و لهذا قد يحصل الجزم ثم يظهر الخطأ بعد ذلك، كما يتفق كثيراً في العلوم الطبيعية، و لا هو نظري مكتسب بالبرهان من المبادئ الأولى اذ لا برهان من تلك المبادئ على ذلك.
و سوف نعرف فيما بعد ان هذا الجزم ينتسب الى نوع ثالث غير الأولي و المكتسب، و هو على أي حال غير مضمون الحقانية لا على اساس البداهة لأنه ليس بديهياً و لا على اساس المنطق لأنه ليس مكتسباً بالبرهان.