جواهر الأصول - تقريرات - الأنصاري الأراكي، الشيخ محمد إبراهيم - الصفحة ٢٢٨ - المقام الاول فى تصوير المدعى و بيان مرجعه
التكوينة و على حدّها، و ان اختلفا سنخاً و مرتبة كما عرفنا.
و بهذا يظهر ان حسن الفعل بعد ارجاعه الى تلك الضرورة الخلقية القائمة بالنسبة بين الفعل و السلطنة، أي بين الصدق و السلطنة مثلًا، لا يمكن تفسير هذا الحسن بصحة المدح، كما هو مقتضى القول المشهوري المتعارف الذي يفسر الحسن و القبح بصحة المدح و صحة الذم، فان المدح و الذم فعلان من الافعال الاختيارية، و يتصفان بالحسن و القبح بخصوص هذين الفعلين، و ارجاع حسن الافعال و قبحها اليهما، فالصدق مثلًا حسَن في نفسه و مدحه حسَن، لا ان حُسن الصدق معناه حُسن المدح له، فان ادراك العقل العملي لحُسن مدح الصدق على حد ادراكه لحُسن الصدق في نفسه بقطع النظر عن كل مادح.
و بهذا نعرف انه في مورد كل فعل حسَن أو قبيح يوجد لدينا حكمان عقليان طوليان احدهما: حُسن الفعل، و الآخر: حُسن مدحه و قبح ذمه، أو أحدهما: قبح الفعل، و الآخر: قبح مدحه و حُسن ذمه، و هذا الحكم العقلي الثاني انما يصدق بالنسبة الى فاعل مدرك للحكم الاول، فالعلم بالحكم الأول مأخوذ في موضوع الثاني.
و بذلك نفسر فنياً ما هو الثابت وجداناً من عدم صحة معاقبة القاصر في عقله العملي الذي لا يدرك قبح الاشياء و لا حسنها بالرغم من اتصاف افعاله بالقبح، فان مرد ذلك الى اطلاق الحكم العقلي الاول، و تقييد الثاني بعلم الفاعل بالأول، و لو لا ذلك، أي لو التزم بوحدة الحكم العقلي، لما امكن تفسير هذا الوجدان؛ لاستحالة اخذ العلم بالحكم العقلي في موضوع نفسه و إن امكن ذلك في الحكم الشرعي؛ لانه انما يمكن هناك بلحاظ التفكيك بين الجعل و المجعول في الامور الاعتبارية، و دعوى كون العلم بالجعل مأخوذاً في موضوع المجعول، و أما في المقام فالمفروض انه امر واقعي لا معنى لتحليله الى جعل مجعول ليؤخذ العلم باحدهما في موضوع الآخر.