جواهر الأصول - تقريرات - الأنصاري الأراكي، الشيخ محمد إبراهيم - الصفحة ٢٤٤ - المقام الثالث فى المواقف من هذا المدعى
النظري البرهاني، و العقل الثالث الذي اشرنا اليه و قلنا ان التجريبيات و الحدسيات و المتواترات انما هي من قضايا هذا العقل الثالث، الذي اكتشفناه و سرنا في مقام تحديد قواعده، و ليست من قضايا العقل النظري البرهاني الذي ينظمه المنطق الارسطي.
و أما الحسيات فهي من مواد العقل البرهاني بمقدار استكشاف اصل الواقع وراء الادراك الحسي، لا بمقدار المطابقة التفصيلية بين المدرك الحسي و الواقع الخارجي، و بضم ذلك المقدار من الحسيات الى الاوليات و الفطريات تتكون المادة الاساسية للعقل البرهاني، و كل هذا يرتبط بالمقدمة من حيث هي، و لا علاقة له بما هو المقصود في المقام؛ لأن أحداً لا يدعي دخول قضايا العقل العملي في تلك الانواع التي نخالف في برهانيتها، بل القابل للادعاء هو دخولها في النوع الأول الذي لا اشكال في برهانيته، و انما كان المقصود الاشارة الى اختلاف المباني الجديدة مع مباني القوم.
و أما الاستنتاج ففيه خطأ من ناحية المنهج، و من ناحية الفكرة، أما من ناحية منهج البحث فلأن الاولى فنياً هو بيان الملاك الجامع لقضايا البرهان المزبورة، و الاستدلال على عدم انطباق هذا الملاك الجامع على القضايا موضوعة البحث بدلًا من التعرض لكل نوع بالخصوص و بيان عدم انطباقه، و السر في اولوية الطريقة الاولى على الثانية هو أن صفة البرهانية انما يثبتها اصحاب المنطق البرهاني للعنوان الجامع بين تلك الانواع، فليس كل نوع يتصف بالبرهانية بعنوانه، ثم ينتزع عنوان مشترك بين الجميع ليتعين الاتجاه الى الانواع ابتداءً في مقام بيان عدم انطباقها، بل ان برهانية كل نوع انما هي باعتبار انطباق الملاك العام عليه، و هو كونها قضية ضرورية لا تحتاج النفس في الحكم بها الى التفتيش عن وسط أو أي شيء آخر زائداً على ذاتها و قواها الدرّاكة:، فهذا هو الملاك العام في العقل الأول للبرهان، و كل ما يستنتج منه بالوسط فهو عقل ثانٍ للبرهان، فكان ينبغي ان يتكلم في مقام معرفة ان قضايا العقل العملي هل هي برهانية أو لا في انطباق الملاك الجامع عليها هذا من حيث المنهج.