جواهر الأصول - تقريرات - الأنصاري الأراكي، الشيخ محمد إبراهيم - الصفحة ٢٤٢ - المقام الثالث فى المواقف من هذا المدعى
ادراك الحسن و القبح فهو دائماً يرجع الى اختلافهم في تشخيص مقتضيات التزاحم بين الجهة المحسنة و الجهة المقبحة.
فتفصيله ان العقل العملي يرجع الى عقلين: الى عقل حسن الاشياء و قبحها في نفسها، و إلى عقل ما هو الفعلي منها في موارد تزاحم الجهات المحسنة و المقبحة. و بالنسبة الى العقل الأول لا نسلم وقوع اخطاء من العقلاء في جميع الأمثلة التي تذكر لاختلاف الناس في ادراك الحسن و القبح، فان ما هو حسن في نفسه يدرك الكل حسنه في نفسه، كما ان ما هو قبيح في نفسه يدرك الكل قبحه في نفسه، إلا الأبله الذي لا يدرك بديهيات العقل النظري ايضاً.
و أما ما هو المشاهد من الاختلاف فمرجعه الى العقل الثاني، أي عقل باب التزاحم بين الحسن و القبح، فكثرة الاخطاء انما هي في هذا العقل دون العقل الاول حتى في مثال تجويز قتل الرئيس و السلطان، كما ينقل عن بعض المجتمعات التي تمنح السلطان للفرد الذي قدر على قتل السلطان السابق، حتى في هذا المثال يرجع المطلب الى باب التزاحم بين قبح القتل و حسن الطموح، فالقتل عندهم في نفسه قبيح، و لهذا لا يجوزونه في غير ذلك المورد الخاص، كما ان الطموح عندنا ايضاً حسن و لهذا نستحسنه في غير ذلك المورد الخاص، و انما الخلاف بيننا و بينهم فيما هو مقتضى التزاحم بين الجهة المحسنة و الجهة المقبحة.
و بهذا يظهر عدم اختلاف الحسن و القبح باختلاف الحالات ايضاً، بل ان اختلاف الحالات يؤثر من ناحية وقوع المزاحمة احياناً بين الجهة المحسنة و المقبحة، فالحسن الذاتي للصدق مطلق كما ان القبح الذاتي للكذب مطلق، و حالة توقف انجاء النبي على الكذب، او استلزام الصدق لاهلاكه دخيلة في ايقاع المزاحمة لا في اصل الحسن و القبح.
٢- و أما التشكيك على اساس المنطق التجريبي فهو مبني على ما يدعيه هذا المنطق من كون التجربة هي الضمان الوحيد لحقانية كل قضية عقلية، فكل قضية عقلية لا تضمن صدقها بالتجربة لا يمكن ضمان حقانيتها.