جواهر الأصول - تقريرات - الأنصاري الأراكي، الشيخ محمد إبراهيم - الصفحة ٢٠٩ - الموقف النقضي
فعلى هذا يمكن للأشعري التخلص من النقض، بأن يقول: اني أجزم بصدق القضية الاخبارية الشرعية التي تدل على وجوب العقاب و النار بعد الموت، و جزمي لهذا لا يتوقف على الاعتراف بالعقل العملي الحاكم بقبح الكذب على الله تعالى، بل يمكن البرهنة عليه عن طريق العقل النظري، بقياس صغراه: ان الكذب نقص، و كبراه: ان النقص مستحيل نظرياً على الواجب تعالى، فالاثبات العقلي النظري بكلتا المقدمتين تستنتج الجزم بصدق القضية القائلة بوجود العقاب و المخبرة عنه.
و هكذا يحصل الاشعري على قضية جزمية في العقل النظري دالة على العقاب دون توسط العقل العملي، و هذه القضية الجزمية كافية للمحركية الذاتية في عالم الامتثال. هذا هو الكلام في النقض الاول.
و أما النقض الثاني بتلك المقدمة العقلية المأخوذة من العقل العملي التي بها يكمن برهان النبوة في رأي المتكلمين، و بدونها لا تكفي المعجزة لاثبات النبوة، فيتلخص هذا النقض كما عرّفناه في ان العقل العملي لو لم يحكم بقبح اظهار المعجزة على يد الكاذب باعتبار كونه تضليلًا و التضليل قبيح لما انتفى احتمال كذب المدعي حتى بعد اقامة المعجزة، فيتعذر حينئذٍ على الأشعري المنكر للعقل العملي ان يثبت النبوة.
فالجواب على ذلك اما اولًا: إن نفس هذا الاستدلال الكلامي المعروف المتقوّم بهذه المقدمة العقلية من العقل العملي، و ان كان هو الاستدلال الرسمي لعلم الكلام منذ وجد و حتى الآن، و لكنه يستبطن بنفسه فرض دليلية المعجزة على النبوة في المرتبة السابقة على المقدمة العقلية التي بها قوام الاستدلال.
بيان ذلك: انه في المرتبة السابقة على ضم المقدمة العقلية القائلة بقبح اظهار المعجزة على يد الكاذب، و بقطع النظر عن هذه المقدمة، إما أن تكون المعجزة التي وقعت على يد مدعي النبوة دالة في نفسها على نبوته، و إما أن لا تكون؟.
فإن فرض ان المعجزة في المرتبة السابقة على ضم المقدمة العقلية دالة على النبوة، فقد ثبت وجود الدليل على النبوة قبل ضمن المقدمة العقلية و بلا حاجة اليها،
فيمكن للخصم المنكر للمقدمة العقلية العملية ان يدعي التمسك بتلك الدلالة التامة في المرتبة السابقة، و صحة الاعتماد عليها، و يكون ضم المقدمة العقلية حينئذٍ بحسب التحليل ضم شيء الى الدليل، لا ضم شيء الى شيء ليكتمل الدليل.
و إن فرض ان المعجزة في المرتبة السابقة على ضم المقدمة العقلية غير دالة على النبوة و صدق الدعوى فلا يمكن تتميم الدليل بضم المقدمة العقلية، اذ بعد فرض ان المعجزة في حد نفسها لا تدل على النبوة فلا يكون السماح بظهورها من قبل الله تعالى على يد الكاذب تضليلًا، و بالتالي لا يكون قبيحاً، لأن المفروض عدم دليلية المعجزة بذاتها، فضم المقدمة العقلية على ضوء ما حققناه، إما ضم لها الى ما يعترف بكونه في نفسه دليلًا على النبوة، و إما هو ضم باطل لا مبرر له.
فان قيل: ان المعجزة في المرتبة السابقة دليل لدى العامة لبساطتهم بلا حاجة الى ضم مقدمة عقلية، و ليست دليلًا للخاصة، و حينئذٍ فالخاصة يحتاجون في تتميم الاستدلال بالمعجزة الى القول بان المدعي لو كان كاذباً لكان اظهار المعجزة على يده تضليلًا للعوام باعتبار انها دليل على مستوى من مستويات العقل البشري، و التضليل قبيح غير محتمل من الله تعالى، فالمدعي ليس بكاذب، إذاً فضم المقدمة العقلية إنما هو متمم للدليل عند الخاصة بعد فرض تمامية الدليل في المرتبة السابقة بنفس المعجزة على مستوى أعم، و أبسط من التفكير البشري.
قلنا: أولًا: يكفي لدفع النقض ان يعترف صاحب الدليل بوجود دليل في المرتبة السابقة، إذ يمكن للاشعري حينئذٍ دعوى الاعتماد على تلك الدلالة، و يقع البحث حينذاك بينه و بين اصحاب الدليل الكلامي في صحة الدلالة و عدمها، و البحث في صحة الدليل و خطئه غير مسألة انسداد باب النبوة.
و ثانياً: و هذا هو المهم، ان الاستدلال بالرغم من التقريب الذي ذكر قبل قليل يبقى باطلًا من الناحية الفنية، و مستبطناً لقيام الحجة على المدعى في الرتبة السابقة.
بيان ذلك: ان المعجزة في المرتبة السابقة على ضم المقدمة العقلية اما ان يفرض انها دليل على النبوة، و سبب للتصديق بها عند كل احد دون فرق بين الخاصة