جواهر الأصول - تقريرات - الأنصاري الأراكي، الشيخ محمد إبراهيم - الصفحة ٢٠٨ - الموقف النقضي
شرعية وجوب الطاعة بمعنى كونه مجعولًا للشارع امر غير معقول، لأن نفس هذا الوجوب المجعول يحتاج بدوره ايضاً الى ايجاب طاعته، و هكذا حتى يتسلسل.
و اما شرعية الوجوب لا بهذا المعنى، بل بمعنى استكشاف الوجوب العقلي و القبح الواقعي للمعصية عن طريق قضية اخبارية في الدليل اللفظي الصادر عن المعصوم بحسب مباني الاخباري، فهذا لا يؤدي الى تسلسل، أو أي محذور آخر.
نعم ان اصل الاحتفاظ بالدليل اللفظي مع اسقاط العقل كلية أمر غير ممكن، و لكن هذا يرجع الى النقوض التي تقدمت على اسقاط الاخباريين للعقل النظري، و الآن انما نتكلم في النقض من ناحية العقل العملي بقطع النظر عن سائر الجهات الاخرى، و قطع النظر كذلك يسمح للاخباري بدعوى قطعية الدليل اللفظي، و عدم الحاجة الى الادراك المستقل لاثبات قبح المعصية واقعاً لأن قبح المعصية مما يثبت بالدليل اللفظي المعتبر اخبارياً، فالنقض نشأ من عدم التمييز بين وجوب الطاعة شرعاً، بمعنى جعل الشارع لهذا الوجوب، و بين وجوب الطاعة عقلًا المستكشف عن طريق قضية اخبارية في الدليل اللفظي الشرعي، فالمحال هو الأول دون الثاني.
و أما الأشعري فهو لا يمكنه ان يستعمل هذه الطريقة الى ان يثبت القبح الواقعي للمعصية عن طريق اخبار الشارع بدلًا عن اثبات حرمتها عن طريق جعل الشارع؛ لأنه ينكر اصل الحسن و القبح، فلا حسن و لا قبح في الواقع عند الاشعري ليمكن للشارع ان يخبر عنه و يدركه، او للانسان ان يحكم به.
و لكن الأشاعرة حين ينكرون الحسن و القبح العقليين يقولون: ان المقصود نفي جهات استحقاق المدح و الذم في الافعال، لا نفي صفة الكمال و النقص عن الافعال و الصفات، أو صفة الملاءمة للنفس و عدم الملاءمة، أو بتعبير أعم المصلحة أو المفسدة، فان العقل النظري يدرك باعتراف الاشعري كون العلم كمالًا مثلًا، و كون الجهل نقصاً، كما يدرك كثيراً من المصالح و المفاسد، فالمنفي عند الاشعري هو ان يتعقب ذلك العقل النظري عقل عملي يدرك زائداً على الكمال و ذات المصلحة و المفسدة كيفية استحقاق الذم أو المدح.