جواهر الأصول - تقريرات - الأنصاري الأراكي، الشيخ محمد إبراهيم - الصفحة ٢٣٠ - المقام الاول فى تصوير المدعى و بيان مرجعه
سبق مفصلًا في بحث الجبر و الاختيار من مباحث اتحاد الطلب و الارادة، و سوف نكتفي هنا بمجرد الاشارة المختصرة الى ذلك بالمقدار الذي يتناسب مع ما نحن بصدده من تصوير المدعى في باب العقل العملي محيلين التفصيلات و اكثر النكات و الخصوصيات الى تلك المسألة.
فنقول: ان نسبة الفعل الى الفاعل عند الفلاسفة لا تخلو من احد امرين: الوجوب أو الامكان، و على الأول تتم الفاعلية و يوجد الفعل، و على الثاني تحتاج الى التتميم؛ لأن الشيء ما لم يجب لم يوجد، و بناءً على ذلك وقع الاشكال بين الافعال الاختيارية و غير الاختيارية من حيث ان كلا منهما اذا لوحظ بالاضافة الى فاعله التام فهو بالوجوب و الضرورة، و إذا لوحظ بالاضافة الى الفاعل الناقص المحتاج الى التتميم أو الى المادة القابلة فهو بالامكان، فأي فرق يبقى بين الفعلين بعد فرض استوائهما في كلتا النسبتين.
و في مقام حل هذا الاشكال و تصوير الفرق اتجه الفلاسفة و انصارهم الى بيان الفرق و المائز للفاعل الاختياري مع التحفظ على نسبة الوجوب و الامكان و انحصار النسبة بهما.
و ذهب جماعة من المحققين الاصوليين الى اختيار كون النسبة الامكان دون الوجوب، بدعوى كفايته في تحقق الفعل الاختياري بالتقريب الذي سوف نشير اليه، و كلا الاتجاهين مما لا يمكن المساعدة عليه.
و لا بد لكي يتضح ذلك ان نشرح كلا النظرين بمزيد الاختصار.
أما النظر الأول الفلسفي فحاصله التفرقة بين الانسان المختار و أفعاله و بين غيره من العلل و آثارها بلحاظ تلك النسبتين؛ أي نسبة الامكان و نسبة الوجوب، فمن حيث النسبة الامكانية يلاحظ ان منطقة الامكان التي يمارسها الموجود تتناسب طرداً مع قوة ذلك الموجود، فالحجر و النبات و الحيوان و الانسان لكل واحد منها منطقة امكان إلا أن كل متأخر في هذه السلسلة باعتبار كونه أكمل وجوداً من المتقدم عليه يتمتع بمنطقة أوسع و نطاق أرحب.