جواهر الأصول - تقريرات - الأنصاري الأراكي، الشيخ محمد إبراهيم - الصفحة ١٩٦ - الفرق بين اليقين الأصولي و اليقين المنطقي
و توضيح الحال بغية الجواب على هذا السؤال يكون بتحقيق امرين: احدهما في تحقيق العقل الأولي و مداه، و الآخر: في تحقيق عملية الاكتساب البرهاني التي يقوم على اساسها العقل النظري الاكتسابي.
أما الامر الأول فالمعروف عادة، كما اشرنا سابقاً، أن المبادئ الأولى في القضايا العقلية هي القضايا الست، لانها قضايا غير مكتسبة بالبرهان السابق، و لهذا استحقت صفة الالية، بل هي إما قضايا يحكم العقل بها بمجرد تصور اطرافها، كما هو الحال في الأوليات و القضايا التي قياساتها معها، و أما قضايا يحكم العقل بها بعد الاستعانة بشيء، كالحس في المحسوسات، و التجربة في التجريبيات مثلا، و لكن هذا الشيء الذي لا يحكم العقل بدونه ليس برهانا و استنتاجا نظريا لتكون القضية مكتسبة و ثانوية و تدخل في العقل النظري المكتسب، بل هي أمور من قبل الحس و التجربة، و هذه القضايا تختلف في رأيهم بطبيعتها عن القضايا المكتسبة، و تتقدم عليها رتبة.
و لكن التحقيق اننا اذا استثنينا الأوليات و القضايا التي قياساتها معها لم نجد في الباقي ما يكون مضمون الحقانية و يقينا بحسب اصطلاح كتاب البرهان، بل انها ترجع في الغالب الى قضايا مكتسبة، أو قضايا من نوع ثالث سوف نشير اليه فيما بعد، و على أي من التقديرين لا يمكن اعتبارها مضمونة الحقانية على اساس البداهة على حد ضمان الأوليات و القضايا التي قياساتها معها.
و تفصيل ذلك: اما في المحسوسات فالقضية العقلية القائمة على اساس الحس التي يراد اعتبارها من اليقينيات الاولية ان اريد بها القضية التي يحكم العقل بها بلحاظ افق الحس نفسه فهي قضية يقينية بلا شك، لأن الموجود في هذا الأفق وجداني للنفس، و لكن ذلك خارج عن غرض المنطقي من كتاب البرهان، لأن المقصود منطقياً ضمان الحقانية بلحاظ المطابقة للواقع الخارجي، نعم قد يقع الموجود في أفق الحس صغرى لكبرى بديهية بحيث ينتج بشكل بديهي ثبوت شيء وراءه، كما يدعى من تطبيق مبدأ العلية عليه لاستكشاف علة مثيرة للادراكات