تحقيق الحلقة الثانية - الحائري، السيد علي أكبر - الصفحة ٢٦٢ - أدلّة البراءة الشرعيّة
و منها: قوله تعالى: (وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [١].
و تقريب الاستدلال بالآية الكريمة: أنّ المراد بالإضلال فيها إمّا تسجيلهم ضالّين و منحرفين، و إمّا نوعٌ من العقاب، كالخذلان و الطرد من أبواب الرحمة، و على أيّ حال فقد انيط الإضلال ببيان ما يتّقون لهم، و حيث اضيف البيان لهم فهو ظاهر في وصوله إليهم، فمع عدم وصول البيان لا عقاب و لا ضلال، و هو معنى البراءة.
و أمّا الروايات فعديدة أيضاً:
منها: ما روي عن الصادق (عليه السلام) من قوله: (كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي) [٢]. و الإطلاق يساوق السعة و التأمين، و الشاكّ يصدق بشأنه أنّه لم يرده النهي فيكون مؤمّناً عن التكليف المشكوك، و هو المطلوب.
و قد يُعترض على هذا الاستدلال: بأنّ الورود تارةً يكون بمعنى الصدور، و اخرى بمعنى الوصول، فإذا كان مفاد الرواية جعل صدور النهي غايةً فلا يتمّ الاستدلال، لأنّ الشاكّ يحتمل صدور النهي و تحقّق الغاية، و إذا كان مفادها جعل وصول النهي إلى المكلّف غايةً ثبت المطلوب، و لكن لا معيّن للثاني فلا يمكن الاستدلال بالرواية المذكورة.
و قد يجاب على ذلك: بأنّ الورود دائماً يستبطن حيثيّة الوفود على شيء فلا يطلق على حيثيّة الصدور البحتة.
و لكن مع هذا لا يتمّ الاستدلال، إذ لم يعلم أنّ الملحوظ فيه وفود
[١] سورة التوبة.
[٢] الوسائل/ ج/ ب من أبواب صفات القاضي/ الحديث ٠.