الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٢١٤ - ٣٦ المتن
قال له عيسى: نعم يا عبد اللّه، إن مثلك من يستدعي من العالم الكلام و لا بأس عليك.
و أما أنت (يا عمار)، اعلم إن هذه المفقودة الماضية بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و عند اللّه أحتسبها.
ثم نهض و دموعه تنحدر على لمّته فتلقوه الجماعة و صاروا بين عاذر و عادل. فقال لهم: رويدا، فإن القلوب إذا خلت قالت و اذا كرهت مالت. أ لستم تعلمون أنه لما توفّيت أم المؤمنين خديجة الكبرى، جزع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جزعا شديدا حتى إني أشفقت عليه من شدة الجزع، فقلت له: يا رسول اللّه! أنت و اللّه القبلة و إليك الإشارة و بك القدوة و عليك المعتمد و منك التعليم، و أنت السراج إذا ضللنا و أنت الصلاح إذا فسدنا و أنت الهادي إذ تهنأ و حولك حاسد و حاقد و محب و واجد، و قريش شاخصة الأبصار إليك، مصغية الآذان نحوك. و بعد فأنت- يا رسول اللّه- ممن إذا قال فعل و إذا أمر عمل.
فقال لي: مهلا يا أبا الحسن، بردت دمعي و سكّنت جزعي.
ثم إنه (صلّى اللّه عليه و آله) صار يحبّ الخلوة بنفسه و يتطرّق الأمكنة الخالية. فبينما هو ذات يوم بظاهر مكة- شرّفها اللّه تعالى-، إذ سمع هاتفا ينشد بيتا من الشعر و هو:
و كل ذي سفرة يؤوب * * * و غائب الموت لا يؤوب
فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): إن من الشعر لحكمة.
ثم قال لي (صلّى اللّه عليه و آله) يا علي، حفظته؟ قلت: نعم. فاستعاده مني نوبا كثيرة، و كان (صلّى اللّه عليه و آله) يقول:
و كل ذي سفرة يؤوب و لا يؤوب غائب الموت.
ثم قال (عليه السلام): يا عمار، و اللّه ما ذكرت أمها خديجة إلا و جابهها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في ذكرها، و لا رآها تبكيها إلا و سبقتها عبرة عليها، و لا جرى ذكرها إلا و أسهب في وصفها و طال الثناء عليها و تلهّف على فراقها.
و لما مات ولده إبراهيم، بكى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتى جرت دموعه على لمّته، فقيل له: يا رسول اللّه! أ تنهى عن البكاء و أنت تبكي هكذا؟ فقال: ليس هذا بكاء و إنما هو رحمة و من لا يرحم لا يرحم، و إنما البكاء الذي هو رنّة و صراخ عال و من لا يرحم لا يرحم.