القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٥٨ - الشبهة المحصوره و الاقوال فيها
كلام بعض المحققين من المتاخرين حيث انكر عليه بان تخلفهما غير معقول و وجه عدم الصحّة هو ما ذكرنا من ان مراده بالعقلى هو اللبى و بالمعنوى و الشرعى هو صدور الخطاب اللفظى و العقل و الشرع فى كلا المقامين متطابقان فكلاهما حاكمان يجوز الترك بالمعنى الاول و بعدم الجواز بالمعنى الثانى فتدبّر ثم لا يخفى عليك انه يجوز لنا ان نعكس الأستدلال و نرد على المستدلّ بان نقول لو كانت المقدّمة واجبة لامتنع التصريح بعدم وجوبه ان كان الدليل على الوجوب هو الدليل العقلى و يعارض مع الدليل الدال على وجوب المقدمة ان كان لفظا و كلاهما منتفيان فانه لا امتناع فى ان يقول لا يجب عليك نصب السّلم بمعنى انك لا تستحق عقابا على تركه زايدا على العقاب على ترك ذى المقدمة و لا تعارض و لا تدافع ايض بينه و بين قوله كن على السّطح كما هو ظاهر فظهر بطلان التالى بكلا قسميه و منه يظهر بطلان القول بوجوب المقدّمة اذ الملازمة ظاهرة و منها انه لو لم تكن المقدمة واجبة لما وجبت النية فيها و قد وجبت فى بعض المقدّمات كالصّلوة الى اربع جهات فان النية واجبة فى كل واحدة و الحال انّ الاتيان بها واجب من باب المقدّمة و فيه ان الصّلوة مع النية مقدّمة و موصلة الى ذى المقدمة اذ معلوم ان الاتيان بالصّلوة بدون النية لا يكون مفيدا للعلم بالاتيان بالصّلوة مع النية و منها ان بعض العلماء قد ادّعى ان الوجوب العقلى للمقدّمة مما لا نزاع فيه بين العلماء و كانه كك و ايض قد اتفقوا على ان كلما حكم به العقل حكم به الشرع و لازم الاتفاقين هو وجوب المقدمة شرعا فالنزاع فى وجوب المقدّمة بعد تحقق الاتفاقين يستلزم التناقض فى كلامهم و فيه ان الوجوب العقلى الذى يكون متفقا عليه بينهم هو مجرد الزام العقل بالاتيان بها و الوجوب بهذا المعنى اى مجرّد الالزام ثابت بالشرع ايض و كأنه متفق عليه ايض بينهم و لكن لا يلزم منه وجوب للمقدمة الذى هو محل النزاع من الملزوم للعقاب المستقلى و الخطاب اللفظى و صدور الطلب فما اخذته نتيجة للاتفاقين غير صحيح و ما هو نتيجة للاتفاقين غير نافع لك و من هنا ظهر فساد القول بان القول بان كلما حكم به العقل حكم به الشرع انما هو فى المستقلات لا التبعيات و ارتفع التناقض ايض فلنرجع الى ذكر ادلة ساير الاقوال و من جملتها ان الامر بالمسبّب عين الأمر بالسّبب و قد عرفت ان هذا القول خارج عن محل البحث و قبل الخوض فى بيان استدلاله لا بد من تشخيص مراده فنقول ان المسبّب الذى يقول بان الامر بسببه هو الذى لا يكون فعلا للمكلف بل اثر لفعله كالطهارة التى هى اثر للوضوء و الغسل و العتق الذى هو اثر للصّيغة و الاحراق الذى هو اثر لجمع الخشب و وضع النار فيه و القتل الذى هو اثر للجز و امثال ذلك لا المسبّب مط و ان كان فعلا للمكلّف مثلا الوضوء فانه فعل للمكلف لأنه عبارة عن الغسلات المخصوصة مع النية و سببه هو المجتمع من وجود المكلف و تعلق ارادته و غير ذلك من العلل الناقصة حتى يرد عليه ما اورده بعض من ان الامر بالمسبّب مط مستلزم للتكليف بما لا يطاق فان جزء العلّة وجود المكلّف و هو غير مقدور لأنه ليس فعلا له اصلا ثم انّ القائلين بان الامر بالمسبّب المذكور مستلزم للامر بالسّبب اختلفوا فقال بعضهم ان الامر به امر به ان لم يكن اثر الفعل المكلف بلا واسطة كالاحراق فانه ليس اثر الفعل المكلف اعنى جمع الخشب و وضع النار بلا واسطة بل اثر فعله بواسطة و هى النار و كجز الرقبة فانه اثر لفعل المكلف بواسطة السّكين و نحو ذلك و اما ان كان اثر الفعله بلا واسطة كالطهارة و العتق فانهما اثران لفعله بلا واسطة و بعبارة اخرى لا ينسبان الا اليه بخلاف الاحراق و الجز فانهما ينسبان الى النار و السّكين ايض فلا يكون الامر بالمسبّب امرا بالسّبب اذا عرفت ذلك فاعلم انّ الامر بالمسبّب ليس امرا بالسّبب كما هو مختار الأكثرين و الدّليل عليه هو الاصل فان المفروض ان اللفظ ظاهر فيه و هذا القائل يدعى وجود الصّارف فعليه باثباته و قد تمسّك هذا القائل بوجه و هو ان متعلق الاحكام و ان كان واحدا من الامور الستة الاول فعل المكلف الظاهرى كالصّلوة و الثانى فعله القلبى و الثالث نفس المكلّف نحو زيد متطهر و الرابع حال من احواله نحو الحيض مانع و الخامس الاعيان الخارجيّة غير المكلف نحو الكلب نجس و
السّادس حال من احوال الاعيان الخارجية نحو الدلوك سبب و لكن متعلق الحكم التكليفى ليس الا الاولين و معلوم ان المسبّب المذكور ليس احد من الامرين فح يترتب صغرى و هى ان المسبّب بهذا المعنى لم يكن فعلا للمكلف و كبرى و هى انه كلما لم يكن فعلا للمكلّف لا يجوز تعلق التكليف به و فيه انه ان اراد انه ليس فعلا للمكلف و لو بالواسطة فنمنع الصغرى و ان كان الكبرى مسلّمة على فرض تسليمها اذ لا شك فى انه ينسب اليه هذا المسبّب فيق فلان احرق فلانا او قطع يد فلان و لا يصحّ سلب ذلك عنه و معلوم انه يمكن له ايجاده و لو بالواسطة فيصحّ تعلق التكليف به و صحة نسبة الاحراق و القطع الى النار و السّكين و كونها حقيقة لا تستلزم عدم صحة نسبتهما اليه بل يمكن ان يق ان صحّة اطلاق النسبة الى السّكين و النار اذا تحقق الاحراق و القطع بواسطة الفعل الأختيارى للمكلّف محلّ تامل و اشكال بل ينسب اليهما الفعل اذا تحققا قهريّا و ان اراد انه ليس فعلا بلا واسطة للمكلف نسلّم الصغرى و نمنع الكبرى اذ لا دليل على انه لا بد و ان يكون متعلق التكليف هو الفعل بلا واسطة بل متعلّق التكليف لا بد ان يكون مقدورا للمكلف و يمكن له ايجاده و ان كان بواسطة و قد تمسّك لهذا القائل بوجه اخر و كأنه هو المعتمد عنده فى اختياره و هو ان تعلق التكليف بالمسبّب اما يكون قبل ايجاده السّبب او بعده فان كان الاول لزم التكليف بما لا يطاق لكونه غير مقدور اذ معلوم ان المسبّب بدون السّبب غير مقدور و ان كان الثانى لزم لغوية التكليف و طلب شىء