العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٢٩٦ - ذكر شىء مما رأيته للناس فى أمر ابن عربى، غير ما سبق فى هذا السؤال
أنذرتهم أم لم تنذرهم: استوى عندهم إنذارك و عدم إنذارك، لما جعلنا عندهم، لا يؤمنون بك، و لا يأخذون عنك، إنما يأخذون عنا. ختم اللّه على قلوبهم فلا يعقلون إلا عنه. و على سمعهم، فلا يسمعون إلا منه. و على أبصارهم غشاوة، فلا يبصرون إلا منه.
و لا يلتفتون إليك و لا إلى ما عندك، بما جعلناه عندهم و ألقينا إليهم.
و قد بين شيخنا فاضل اليمن شرف الدين إسماعيل بن أبى بكر، المعروف بابن المقرى الشافعى، من حال ابن عربى ما لم يبينه غيره؛ لأن جماعة من صوفية زبيد: أوهموا من ليس له كثير نباهة، علو مرتبة ابن عربى، و نفى العيب عن كلامه. و ذكر ذلك شيخنا ابن المقرى مع شىء من حال الصوفية المشار إليهم، فى قصيدة طويلة من نظمه. فقال فيما أنشدنيه إجازة:
ألا يا رسول اللّه غارة ثائر* * * غيور على حرماته و الشعائر
يحاط بها الإسلام ممن يكيده* * * و يرميه من تلبيسه بالفواقر
فقد حدثت بالمسلمين حوادث* * * كبار المعاصى عندها كالصغائر
حوتهن كتب حارب اللّه ربها* * * و غربها من غربين الحواضر
بحاسر فيها ابن العريبى و اجترى* * * على اللّه فيما قال كل التجاسر
فقال بأن الرب و العبد واحد* * * فربى مربوبى بغير تغاير
و أنكر تكليفا إذ العبد عنده* * * إله و عبد فهو إنكار حائر
و خطأ إلا من يرى الخلق صورة* * * و هوية للّه عند التناظر
و قال تجلى الحق فى كل صورة* * * تجلى عليها فهى إحدى المظاهر
و أنكر أن اللّه يغنى عن الورى* * * و يغنون عنه لاستواء المقادر
كما ظل فى التهليل يهزا بنفيه* * * و إثباته مستجملا للمغاير
و قال الذى ينفيه عين الذى* * * أتى به مثبتا لا غير عند التجاور
فأفسد معنى ما به الناس أسلموا* * * و ألغاه إلغا بينات التهاتر
فسبحان رب العرش عما يقوله* * * أعاديه من أمثال هذى الكبائر
فقال عذاب اللّه عذب و ربنا* * * ينعم فى نيرانه كل فاجر
و قال بأن اللّه لم يعص فى الورى* * * فما ثم محتاج لعاف و غافر
و قال مراد اللّه وفق لأمره* * * فما كافر إلا مطيع الأوامر
و كل امرئ عند المهيمن مرتضى* * * سعيد فما عاص لديه بخاسر
و قال يموت الكافرون جميعهم* * * و قد آمنوا غير المفاجا المبادر
و ما خص بالإيمان فرعون وحده* * * لدى موته بل عم كل الكوافر