العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٢٩٤ - ذكر شىء مما رأيته للناس فى أمر ابن عربى، غير ما سبق فى هذا السؤال
و الخطرات و الفكرة، و استحكم ذلك، حتى شاهد بقوة الخيال أشياء، ظنها موجودة فى الخارج، و سمع من طيش دماغه خطابا، اعتقده من اللّه، و لا وجود لذلك أبدا فى الخارج، حتى إنه قال: لم يكن الحق أوقفنى على ما سطره لى فى توقيع ولايتى أمور العالم، حتى أعلمنى بأنى خاتم الولاية المحمدية بمدينة فاس، سنة خمس و تسعين.
فلما كانت ليلة الخميس فى سنة ثلاثين و ستمائة، أوقفنى الحق على التوقيع بورقة بيضاء فرسمته بنصه: هذا توقيع إلهى كريم، من الرءوف الرحيم إلى فلان. و قد أجزل له رفده، و ما خيبنا قصده، فلينهض إلى ما فوض إليه، و لا تشغله الولاية عن المثول بين أيدينا شهرا بشهر، إلى انقضاء العمر. انتهى.
و هذا الكلام فيه مؤاخذات على ابن عربى.
منها: إن كان المراد بما ذكره من أنه خاتم الولاية المحمدية، أنه خاتم الأولياء، كما أن نبينا محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) خاتم الأنبياء، فليس بصحيح، لوجود جمع كثير من أولياء اللّه تعالى العلماء العاملين فى عصر ابن عربى، و فيما بعده على سبيل القطع، و إن كان المراد أنه خاتم الأنبياء بمدينة فاس، فهو غير صحيح أيضا، لوجود الأولياء الأخيار بها بعد ابن عربى. و هذا من الأمر المشهور.
أنشدنى شيخنا المحدث، شمس الدين محمد بن المحدث ظهير الدين إبراهيم الجزرى، سماعا من لفظه فى الرحلة الأولى بظاهر دمشق، أن الحافظ الزاهد شمس الدين محمد بن المحب عبد اللّه بن أحمد المقدسى الصالحى، أنشده لنفسه سماعا، و أنشدنى ذلك إجازة، شيخنا ابن المحب المذكور:
دعى ابن العريبى الأنام ليقتدوا* * * بأعورة الدجال فى بعض كتبه
و فرعون أسماه لكل محقق* * * إماما ألا تباله و لحزبه
و سئل عنه شيخنا العلامة المحقق الحافظ المفتى المصنف، أبو زرعة أحمد بن شيخنا الحافظ العراقى الشافعى، أبقاه اللّه تعالى، فقال: لا شك فى اشتمال «الفصوص» المشهورة على الكفر الصريح الذى لا يشك فيه. و كذلك «فتوحاته المكية» فإن صح صدور ذلك عنه، و استمر عليه إلى وفاته، فهو كافر مخلد فى النار بلا شك.
و قد صح عندى عن الحافظ جمال الدين المزى، أنه نقل من خطه فى تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) [البقرة: ٦] كلاما ينبو عنه السمع، و يقتضى الكفر، و بعض كلماته لا يمكن تأويلها، و الذى يمكن تأويله منها، كيف يصار إليه مع مرجوحية التأويل، و الحكم إنما يترتب على الظاهر.