الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٧٥ - فصل
التي تتمّ بها مصلحة الشارب، فإن الشّرب من ثلمة القدح فيه عدة مفاسد:
أحدها: أن ما يكون على وجه الماء من قذى أو غيره يجتمع إلى الثّلمة بخلاف الجانب الصحيح.
الثاني: أنه ربما شوّش على الشارب، و لم يتمكن من حسن الشرب من الثلمة.
الثالث: أن الوسخ و الزّهومة تجتمع في الثلمة، و لا يصل إليها الغسل، كما يصل إلى الجانب الصحيح.
الرابع: أن الثّلمة محلّ العيب في القدح، و هي أردأ مكان فيه، فينبغي تجنّبه، و قصد الجانب الصحيح، فإن الرديء من كل شيء لا خير فيه، و رأى بعض السلف رجلا يشتري حاجة رديئة، فقال: لا تفعل أ ما علمت أن اللّه نزع البركة من كل رديء.
الخامس: أنه ربما كان في الثلمة شق او تحديد يجرح فم الشارب، و لغير هذه من المفاسد.
و أما النفخ في الشراب، فإنه يكسبه من فم النافخ رائحة كريهة يعاف لأجلها، و لا سيما إن كان متغير الفم. و بالجملة: فأنفاس النافخ تخالطه، و لهذا جمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بين النهي عن التنفس في الإناء و النفخ فيه في الحديث الذي رواه الترمذي و صححه، عن ابن عباس رضي اللّه عنه، قال: نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يتنفّس في الإناء، أو ينفخ فيه [١].
فإن قيل: فما تصنعون بما في «الصحيحين». من حديث أنس، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يتنفّس في الإناء ثلاثا؟ قيل: نقابله بالقبول و التسليم، و لا معارضة بينه و بين الأول، فإن معناه أنه كان يتنفس في شربه ثلاثا، و ذكر الإناء لأنه آلة
[١] أخرجه الترمذي و أبو داود و ابن ماجه و أحمد.