الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٧٨ - فصل في هديه
«انك ناقه» حتى كف. قالت: و صنعت شعيرا و سلقا، فجئت به، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لعلي: «من هذا أصب، فانه أنفع لك» و في لفظ فقال: «من هذا فأصب، فانه أوفق لك» [١].
و في «سنن ابن ماجه» أيضا عن صهيب قال: قدمت على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و بين يديه خبز و تمر، فقال: «ادن فكل»، فأخذت تمرا فأكلت، فقال: «أ تأكل تمرا و بك رمد»؟ فقلت: يا رسول اللّه! أمضع من الناحية الأخرى، فتبسم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) [٢].
و في حديث محفوظ عنه (صلى اللّه عليه و سلم): «ان اللّه إذا أحب عبدا، حماه من الدنيا، كما يحمي أحدكم مريضه عن الطعام و الشراب». و في لفظ: «ان اللّه يحمي عبده المؤمن من الدنيا» [٣].
و أما الحديث الدائر على ألسنة كثير من الناس: «الحمية رأس الدواء، و المعدة بيت الداء، و عودوا كل جسم ما اعتاد» فهذا الحديث انما هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب، و لا يصح رفعه الى النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، قاله غير واحد من أئمة الحديث. و يذكر عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم). «أن المعدة حوض البدن، و العروق إليها واردة، فاذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة، و اذا سقمت المعدة، صدرت العروق بالسقم» [٤].
و قال الحارث: رأس الطب الحمية، و الحمية عندهم للصحيح في المضرة بمنزلة التخليط للمريض و الناقه، و أنفع ما تكون الحمية للناقة من المرض، فان طبيعته لم ترجع بعد الى قوتها، و القوة الهاضمة ضعيفة، و الطبيعة قابلة، و الأعضاء مستعدة، فتخليطه يوجب انتكاسها، و هو أصعب من ابتداء مرضه.
و اعلم أن في منع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لعلي من الأكل من الدوالي، و هو ناقه أحسن التدبير، فان الدوالي أقناء من الرطب تعلق في البيت للأكل بمنزلة عناقيد العنب، و الفاكهة تضر بالناقة من المرض لسرعة استحالتها، و ضعف الطبيعة عن دفعها،
[١] أخرجه ابن ماجه و أبو داود و الترمذي
[٢] أخرجه ابن ماجه
[٣] أخرجه أحمد و الترمذي، و صححه الحاكم، و وافقه الذهبي
[٤] ورد في كتاب مجمع الزوائد إلا أن في سنده يحيى البابلتي و هو ضعيف