الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٥٩ - فصل في هديه
فأما الفقهي: فالذي استقرت عليه سنّته (صلى اللّه عليه و سلم) إباحة الحرير للنساء مطلقا، و تحريمه على الرجال إلا لحاجة و مصلحة راجحة، فالحاجة إما من شدة البرد، و لا يجد غيره، أو لا يجد سترة سواه. و منها: لباسه للجرب، و المرض، و الحكة، و كثرة القمل كما دل عليه حديث أنس هذا الصحيح.
و الجواز: أصح الروايتين عن الإمام أحمد، و أصح قولي الشافعي، إذ الأصل عدم التخصيص، و الرخصة إذا ثبتت في حقّ بعض الأمة لمعنى تعدّت إلى كل من وجد فيه ذلك المعنى، إذ الحكم يعم بعموم سببه.
و من منع منه، قال: أحاديث التّحريم عامة، و أحاديث الرخصة يحتمل اختصاصها بعبد الرحمن بن عوف و الزبير، و يحتمل تعديها إلى غيرهما. و إذا احتمل الأمران، كان الأخذ بالعموم أولى، و لهذا قال بعض الرواة في هذا الحديث: فلا أدري أبلغت الرّخصة من بعدهما، أم لا؟
و الصحيح: عموم الرخصة، فإنه عرف خطاب الشرع في ذلك ما لم يصرّح بالتخصيص، و عدم إلحاق غير من رخّص له أولا به، كقوله لأبي بردة في تضحيته بالجذعة من المعز: «تجزيك و لن تجزي عن أحد بعدك» و كقوله تعالى لنبيه (صلى اللّه عليه و سلم) في نكاح من وهبت نفسها له: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [١]
و تحريم الحرير: إنما كان سدا للذريعة، و لهذا أبيح للنساء، و للحاجة، و المصلحة الراجحة، و هذه قاعدة ما حرّم لسد الذرائع، فإنه يباح عند الحاجة و المصلحة الراجحة، كما حرم النظر سدا لذريعة الفعل، و أبيح منه ما تدعو إليه الحاجة و المصلحة الراجحة، و كما حرم التنفل بالصلاة في أوقات النهي سدا لذريعة المشابهة الصورية بعباد الشمس، و أبيحت للمصلحة الراجحة، و كما حرم ربا الفضل سدا لذريعة ربا النسيئة، و أبيح منه ما تدعو إليه الحاجة من العرايا [٢]، و قد أشبعنا الكلام فيما يحلّ و يحرم من لباس الحرير في كتاب «التّحبير لما يحلّ و يحرم من لباس الحرير».
[١] الأحزاب- ٥٠-.
[٢] العرايا: جمع عرية بوزن مضيّة، و هي النخلة التي يعطيها صاحبها لفقير لينتفع بثمرتها إلى سنة، فتدفعه الحاجة إلى أن يأخذ بثمرتها تمرا قبل أن تحرز ثمرتها فلا يضر الفضل حينئذ.