الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٣٧ - فصل في هديه في داء الاستسقاء و علاجه
خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من أبوالها و ألبانها، ففعلوا، فلما صحوا، عمدوا إلى الرّعاة فقتلوهم، و استاقوا الإبل، و حاربوا اللّه و رسوله، فبعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في آثارهم، فأخذوا، فقطع أيديهم، و أرجلهم، و سمل أعينهم، و ألقاهم في الشمس حتى ماتوا» [١].
و الدليل على أن هذا المرض كان الاستقساء، ما رواه مسلم في «صحيحه» في هذا الحديث أنهم قالوا: إنا اجتوينا المدينة، فعظمت بطوننا، و ارتهشت أعضاؤنا، و ذكر تمام الحديث ...
و الجوى: داء من أدواء الجوف- و الاستقساء: مرض مادي سببه مادة غريبة باردة تتخلّل الأعضاء فتربو لها إما الأعضاء الظاهرة كلها، و إما المواضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء و الأخلاط، و أقسامه ثلاثة: لحمي، و هو أصعبها.
و زقي، و طبلي.
و لما كانت الأدوية المحتاج إليها في علاجه هي الأدوية الجالبة التي فيها إطلاق معتدل، و إدرار بحسب الحاجة، و هذه الأمور موجودة في أبوال الإبل و ألبانها، أمرهم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بشربها، فإن في لبن اللقاح جلاء و تليينا، و إدرارا و تلطيفا، و تفتيحا للسدد، إذ كان أكثر رعيها الشيح، و القيصوم، و البابونج، و الأقحوان، و الإذخر، و غير ذلك من الأدوية النافعة للاستسقاء.
و هذا المرض لا يكون إلا مع آفة في الكبد خاصة، أو مع مشاركة، و أكثرها عن السدد فيها، و لبن اللقاح العربية نافع من السدد، لما فيه من التفتيح، و المنافع المذكورة.
قال الرازي: لبن اللقاح يشفي أوجاع الكبد، و فساد المزاج، و قال الاسرائيلي: لبن اللقاح أرقّ الألبان، و أكثرها مائية و حدّة، و أقلها غذاء، فلذلك صار أقواها على تلطيف الفضول، و إطلاق البطن، و تفتيح السدد، و يدل على ذلك ملوحته اليسيرة التي فيه الإفراط حرارة حيوانية بالطبع، و لذلك صار أخصّ الألبان بتطرية الكبد، و تفتيح سددها، و تحليل صلابة الطحال إذا كان حديثا،
[١] أخرجه البخاري و أبو داود و الترمذي و ابن ماجه و النسائي. و «عرينة» قبيلة منهم العرينون المرتدون عن الإسلام «عكل» و عكل بالضم بلد و أبو قبيلة فيهم غباوة