الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٢٩٦ - حرف الميم
و اذا اعتبرت هذه الأوصاف. لم تجدها بكمالها إلا في الأنهار الأربعة:
النيل، و الفرات، و سيحون، و جيحون.
و في «الصحيحين»: من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «سيحان، و جيحان، و النّيل، و الفرات، كلّ من أنهار الجنّة» [١].
و تعتبر خفة الماء من ثلاثة أوجه، احدها: سرعة قبوله للحر و البرد. قال أبقراط: الماء الذي يسخن سريعا، و يبرد سريعا أخف المياه. الثاني: بالميزان، الثالث: أن تبل قطنتان متساويتا الوزن بماءين مختلفين، ثم يجففا بالغا، ثم توزنا، فأيتهما كانت أخفّ، فماؤها كذلك.
و الماء و إن كان في الأصل باردا رطبا، فإن قوته تنتقل و تتغيّر لأسباب عارضة توجب انتقالها، فإن الماء المكشوف للشمال المستور عن الجهات الآخر يكون باردا، و فيه يبس مكتسب من ريح الشمال، و كذلك الحكم على سائر الجهات الآخر.
و الماء الذي ينبع من المعادن يكون على طبيعة ذلك المعدن، و يؤثر في البدن تأثيره، و الماء العذب نافع للمرضى و الأصحاء، و البارد منه أنفع و ألذ، و لا ينبغي شربه على الريق، و لا عقيب الجماع، و لا الانتباه من النوم، و لا عقيب الحمّام، و لا عقيب أكل الفاكهة، و قد تقدم. و أما على الطعام، فلا بأس به إذا اضطر إليه، بل يتعيّن و لا يكثر منه، بل يتمصّصه مصّا، فإنه لا يضرّه البتة، بل يقوي المعدة، و ينهض الشهوة، و يزيل العطش.
و الماء الفاتر ينفخ و يفعل ضدّ ما ذكرناه، و بائته أجود من طريّه و قد تقدم.
و البارد ينفع من داخل أكثر من نفعه من خارج، و الحارّ بالعكس، و ينفع البارد من عفونة الدم، و صعود الأبخرة إلى الرأس، و يدفع العفونات، و يوافق الأمزجة و الأسنان و الأزمان و الأماكن الحارة، و يضر على كل حالة تحتاج إلى نضج و تحليل،
[١] أخرجه مسلم في الجنة و صفة نعيمها، و ليس في البخاري.