الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٢٧٤ - حرف الكاف
و هي باردة رطبة في الدرجة الثالثة، رديئة للمعدة، بطيئة الهضم، و إذا أدمنت، أورثت القولنج و السكتة و الفالج، و وجع المعدة، و عسر البول، و الرطبة أقلّ ضررا من اليابسة، و من أكلها فليدفنها في الطين الرطب، و يسلقها بالماء و الملح و الصعتر، و يأكلها بالزيت و التوابل الحارّة، لأن جوهرها أرضي غليظ، و غذاؤها رديء، لكن فيها جوهر مائي لطيف يدل على خفتها، و الاكتحال بها نافع من ظلمة البصر و الرمد الحار، و قد اعترف فضلاء الأطباء بأن ماءها يجلو العين، و ممن ذكره المسيحيّ، و صاحب القانون و غيرهما.
و قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «الكمأة من المن»، فيه قولان:
أحدهما: أنّ المن الذي أنزل على بني إسرائيل لم يكن هذا الحلو فقط، بل أشياء كثيرة منّ اللّه عليهم بها من النبات الذي يوجد عفوا من غير صنعه و لا علاج و لا حرث، فإن المنّ مصدر بمعنى المفعول، أي «ممنون» به، فكل ما رزقه اللّه العبد عفوا بغير كسب منه و لا علاج، منّ محض، و إن كانت سائر نعمه منا منه على عبده، فخصّ منها مالا كسب له فيه، و لا صنع باسم المنّ، فإنه منّ بلا واسطة العبد، و جعل سبحانه قوتهم بالتيه الكمأة، و هي تقوم مقام الخبز، و جعل أدمهم السّلوى، و هو يقوم مقام اللحم، و جعل حلواهم الطلّ الذي ينزل على الأشجار يقوم لهم مقام الحلوى، فكمل عيشهم.
و تأمل قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «الكمأة من المنّ الذي أنزله اللّه على بني اسرائيل» فجعلها من جملته، و فردا من أفراده، و الترنجبين الذي يسقط على الأشجار نوع من المن، ثم غلب استعمال المن عليه عرفا حادثا.
و القول الثاني: أنه شبه الكمأة بالمن المنزل من السماء، لأنه يجمع من غير تعب و لا كلفة و لا زرع بزر و لا سقي.
فإن قلت: فإن كان هذا شأن الكمأة، فما بال هذا الضرر فيها، و من أين أتاها ذلك؟ فاعلم أن اللّه سبحانه أتقن كل شيء صنعه، و أحسن كل شيء خلقه، فهو عند مبدأ خلقه بريء من الآفات و العلل، تامّ المنفعة لما هيئ و خلق له، و إنما