الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٢٦٨ - حرف القاف
و قد خفي على جاهل الأطباء نفعه من وجع ذات الجنب، فأنكروه، و لو ظفر هذا الجاهل بهذا النقل عن جالينوس لنزله منزلة النص، كيف و قد نصّ كثير من الأطباء المتقدمين على أن القسط يصلح للنوع البلغميّ من ذات الجنب، ذكره الخطابي عن محمد بن الجهم.
و قد تقدم أن طبّ الأطباء بالنسبة إلى طبّ الأنبياء أقل من نسبة طب الطّرقية و العجائز إلى طب الأطباء، و أن بين ما يلقّى بالوحي، و بين ما يلقّى بالتجربة، و القياس من الفرق أعظم مما بين القدم و الفرق.
و لو أن هؤلاء الجهّال وجدوا دواء منصوصا عن بعض اليهود و النصارى و المشركين من الأطباء، لتلقّوه بالقبول و التسليم، و لم يتوقّفوا على تجربته.
نعم نحن لا ننكر أن للعادة تأثيرا في الانتفاع بالدواء و عدمه، فمن اعتاد دواء و غذاء، كان أنفع له، و أوفق ممن لم يعتده، بل ربما لم ينتفع به من لم يعتده.
و كلام فضلاء الأطباء و إن كان مطلقا، فهو بحسب الأمزجة و الأزمنة، و الأماكن و العوائد، و إذا كان التقييد بذلك لا يقدح في كلامهم و معارفهم، فكيف يقدح في كلام الصادق المصدوق، و لكن نفوس البشر مركبة على الجهل و الظلم، إلا من أيده اللّه بروح الإيمان، و نور بصيرته بنور الهدى.
قصب السّكر: جاء في بعض ألفاظ السنة الصحيحة في الحوض «ماؤه، أحلى من السكر» [١]، و لا أعرف السكر في الحديث إلا في هذا الموضع.
و السكر حادث لم يتكلم فيه متقدمو الأطباء، و لا كانوا يعرفونه، و لا يصفونه في الأشربة، و إنما يعرفون العسل، و يدخلونه في الأدوية، و قصب السكر حار رطب ينفع من السّعال، و يجلوا الرطوبة و المثانة، و قصبة الرئة، و هو أشدّ تليينا من
[١] في مسلم و الترمذي بلفظ: «أحلى من العسل» بدلا من «أحلى من السكر».