الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٢٣ - فصل في هديه في علاج الحمّى
و قال الرازي في كتابه الكبير: إذا كانت القوة قوية، و الحمّى حادّة جدا، و النضج بيّن و لا ورم في الجوف، و لا فتق، ينفع الماء البارد شربا، و إن كان العليل خصب البدن و الزمان حارّ، و كان معتادا لاستعمال الماء البارد من خارج، فليؤذن فيه.
و قوله: «الحمّى من فيح جهنم»، هو شدة لهبها، و انتشارها، و نظيره:
«قوله: شدة الحر من فيح جهنم». و فيه وجهان: احدهما: أن ذلك أنموذج و رقيقة اشتقت من جهنم ليستدلّ بها العباد عليها، و يعتبروا بها، ثم إن اللّه سبحانه قدّر ظهورها بأسباب تقتضيها،؛ كما أن الروح و الفرح و السرور و اللذة من نعيم الجنة أظهرها اللّه في هذه الدار عبرة و دلالة، و قدّر ظهورها بأسباب توجبها.
و الثاني: أن يكون المراد التشبيه، فشبه شدة الحمّى و لهبها بفيح جهنم، و شبه شدة الحر به أيضا تنبيها للنفوس على شدة عذاب النار، و أن هذه الحرارة العظيمة مشبهة بفيحها، و هو ما يصيب من قرب منها من حرها.
و قوله: «فأبردوها»، روى بوجهين: بقطع الهمزة و فتحها، رباعي: من أبرد الشيء: إذا صيره باردا، مثل أسخنه: إذا صيره سخنا.
و الثاني: بهمزة الوصل مضمومة من برد الشيء يبرده، و هو أفصح لغة و استعمالا، و الرباعي لغة رديئة عندهم قال:
إذا وجدت لهيب الحبّ في كبدي* * * أقبلت نحو سقاء القوم ابترد
هبني بردت ببرد الماء ظاهره* * * فمن لنار على الأحشاء تتّقد
و قوله: «بالماء» فيه قولان: احدهما: أنه كل ماء و هو الصحيح.
و الثاني: أنه ماء زمزم، و احتج أصحاب هذا القول بما رواه البخاري في «صحيحه»، عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبّعي، قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتني الحمّى، فقال: أبردها عنك بماء زمزم، فإن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)