الطب النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٨٦ - فصل
و رياضة النفوس بالتعلم و التأدب، و الفرح و السرور، و الصبر و الثبات، و الإقدام و السماحة، و فعل الخير، و نحو ذلك مما ترتاض به النفوس، و من أعظم رياضتها: الصبر و الحب، و الشجاعة و الإحسان، فلا تزال ترتاض بذلك شيئا فشيئا حتى تصير لها هذه الصفات هيئات راسخة، و ملكات ثابتة.
و أنت إذا تأملت هديه (صلى اللّه عليه و سلم) في ذلك، وجدته أكمل هدي حافظ للصحة و القوى، و نافع في المعاش و المعاد.
و لا ريب أن الصلاة نفسها فيها من حفظ البدن، و إذابة أخلاطه و فضلاته ما هو من أنفع شيء له سوى ما فيها من حفظ صحة الإيمان، و سعادة الدنيا و الآخرة، و كذلك قيام الليل من أنفع أسباب حفظ الصحة، و من أمنع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة، و من أنشط شيء للبدن و الروح و القلب، كما في «الصحيحين» عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، أنه قال: «يعقد الشّيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كلّ عقدة: عليك ليل طويل، فارقد، فإن هو استيقظ، فذكر اللّه انحلّت عقدة، فإن توضّأ، انحلّت عقدة ثانية، فإن صلّى انحلّت عقده كلّها، فأصبح نشيطا طيّب النّفس، و إلّا أصبح خبيث النّفس كسلان» [١].
و في الصوم الشرعي من أسباب حفظ الصحة و رياضة البدن و النفس ما لا يدفعه صحيح الفطرة.
و أما الجهاد و ما فيه من الحركات الكلية التي هي من أعظم أسباب القوة، و حفظ الصحة، و صلابة القلب و البدن، و دفع فضلاتهما، و زوال الهم و الغم و الحزن، فأمر إنما يعرفه من له منه نصيب، و كذلك الحج، و فعل المناسك، و كذلك المسابقة على الخيل، و بالنصال، و المشيء في الحوائج، و إلى الإخوان، و قضاء حقوقهم، و عيادة مرضاهم، و تشييع جنائزهم، و المشي إلى المساجد للجمعات و الجماعات، و حركة الوضوء و الاغتسال، و غير ذلك.
[١] أخرجه البخاري في التهجير، و مسلم في صلاة المسافرين.